. المنسف.. "سيد" المائدة الأردنية بين الخرافة والحقيقة!
القسم : مقالات مختاره
المنسف.. "سيد" المائدة الأردنية بين الخرافة والحقيقة!
نشر بتاريخ : 11/17/2021 11:50:53 AM
احمد ذيبان


بقلم: أحمد ذيبان

 

منذ قرابة عام بدأت مقاطعة غير مبرمجة لوجبة المنسف، وتناولته خلال هذه الفترة ربما مرتين فقط ، وقبل ذلك كنت مثل بقية الأردنيين أتناوله ، على الأقل مرة في الاسبوع في المنزل، بالاضافة الى حضور بعض المناسبات التي يقدم فيها المنسف مثل بيوت العزاء أو الأفراح ، لكنني منذ بداية عام 2021 فقدت الشهية لهذه الوجبة ، التي تعتبر جزءا من الشخصية الأردنية .

 

حتى عندما يهاجر الاردنيون أو يسافرون للاقامة في بلدان أجنبية لا يستغنون عن وجبة المنسف .. وفي إحدى الزيارات الى لندن وكانت ترافقني زوجتي ، التقينا الصديق والزميل الاعلامي الاردني سالم العبادي في مقر عمله بمحطة ال بي بي سي ، واصطحبنا الى منزله العامر وفاجأنا بتقديم وجبة غذاء "منسف" فاخر أعدته زوجته الفاضلة .

 

أصبحت من المؤيدين لنظرية الدكتور كامل العجلوني وزير الصحة الاسبق، ورئيس المركز الوطني للسكري الذي يصف المنسف ب""سلاح دمار شامل للصحة العربية" ، هو وأخواته من "مقلوبة وقدرة وكبسة ومكبوس ومسخن وكنافة "، ويعتبر المنسف أحد الأسباب الرئيسية للاصابة بمرض السكري، حيث يزيد عدد المصابين بهذا المرض في المجتمع الاردني عن مليوني شخص ، من أصل عشرة ملايين عدد السكان !

 

وسبب عزوفي عن المنسف "الذي يعتبر في الموروث الشعبي "سيد المائدة الاردنية" ،أنني اكتشفت من خلال فحوصات مخبرية زيادة في الدهونيات الضارة ، وارتفاع نسبة اليوريك أسيد في الجسم ،ولذلك مضاعفات صحية عديدة بينها الإصابة بداء النقرس ، أو ما يعرف باسم "داء الملوك"، ومن أسباب ذلك تناول  الأطعمة  التي تحتوي اللحوم  وفي طليعتها المنسف ! وقد  استعنت بخبرة ومشورة الاستشارية الغذائية "تهاني الجزازي" ،التي وضعت لي مجموعة من البرامج الغذائية المدروسة ، وكانت  نتيجة الالتزام بهذه البرامج  جيدة جدا ..

 

ويسجل لجائحة كورونا أنها خففت من التجمعات في المناسبات التي تقدم فيها المناسف، وبذلك ساهمت الجائحة الى حد كبير في توفير النفقات، التي كانت تثقل كاهل الكثير من العائلات التي تفقد أحد أفرادها ، أو تلك التي تحتفل بزواج الابن او البنت ومناسبات فرح أخرى مثل   مثل الحملات الانتخابية ، والصلحات العشائرية  والاعياد  ، لكن بعد تراجع الاصابات "عادت حليمة لعادتها القديمة "! وبالاضافة الى كلفة إقامة الولائم وما تسببه من أعباء مالية بالنسبة للعائلات المستورة ، ينشغل العديد ممن يحضرون هذه المناسبات بالحديث همسا ، عن مذاق المناسف ونوعية اللحم المقدم بلدي أم مستورد ، وهل الجميد كركي أم غير ذلك ؟

 

ومن السلبيات التي تسجل على المنسف ، طريقة تناوله حيث يصطف عدة أشخاص على سدر منسف، قد يصل عددهم الى ستة او سبعة ، وهؤلاء يتحدثون خلال الأكل ويتطاير الرذاذ من أفواههم الذي قد ينقل الفيروسات ، وأحيانا يتطوع أحدهم بتقطيع اللحم لتكريم من يقف بجانبه ! وهذا سلوك مثير للاشمئزاز إذ قد تكون يديه غير نظيفة ولم يغسلها قبل أن يبدأ بالأكل ، فضلا عما يحدث في المناسبات من تزاحم وربما التسابق على "سدور" المناسف ، والخلاصة أن هذه الطريقة الجماعية في أكل المنسف غير صحية !

 

ليس من المنطق المطالبة بإلغاء المنسف من موائد الأردنيين فهذا أمر مستحيل ، لكن الصحيح هو ترشيد استهلاكه ، وعدم تقديمه في المناسبات العامة والاحتفالات والأعياد إلى في أضيق الحدود ، واقتصار تقديمه في الأجواء العائلية على أن يتم تناوله بطريقة أكثر حضارية ، بحيث يوضع في صحون بكمية معتدلة تكفي الشخص دون هدر، كما يحدث عند تقديم الكنافة ، وأن يتم ما أمكن وقف طريقة الاصطفاف الجماعي على سدور المناسف . سواء في الاجواء العائلية أو المناسبات العامة، لكي لا يرمى ما يتبقى من المناسف في حاويات القمامة .

 

يميل البعض الى وضع المنسف في منزلة "قدسية" ، استنادا الى حكايات متوارثة لا تسندها وثائق ومراجع تاريخية ، وهي أن أكلة المنسف جاءت لتخالف العقيدة اليهودية ، حيث ورد في الاصحاح 17 تحريما قاطعا لطهي اللحم في اللبن، وطلب الملك العربي الأردني ميشع من شعبه طهي اللحم باللبن في يوم معين، ليتأكد أن شعبه العارف بالتعاليم اليهودية معاديا لليهود ومخالفا لعقيدتهم ، ويوم أخبره رجاله أن الشعب كله في المملكة الواقعة ما بين نهر الزرقاء ومنطقة معان طهى اللحم باللبن ،أعلن نسفه لكل العهود مع اليهود الذين غدروه وخالفوا كل عهودهم معه ، وبذلك سميت هذه الأكلة بالمنسف لأنها نسفت العهود مع اليهود ، فأعلن ميشع الحرب على اليهود وانتصر عليهم وهزمهم شر هزيمة. 

 

وهذه حكاية أظن أنها أقرب الى الخرافة ، وجزء من الطباع العربية في ادعاء البطولات والانتصارات ، لا بأس من الحفاظ على العادات والتقاليد الاجتماعية العربية وبضمنها الأكلات الشعبية ، لكن الانتصارات لا تتحقق " وهنا استعير  فقرة  من محاضرة للدكتور كامل العجلوني قبل بضع سنوات  " بإعداد أكبر منسف "الأردن" لدخول كتاب غينتس ،  أو إعداد أكبر صحن فول "مصر" وأكبر طبق تبولة "لبنان" وأكبر سدر كنافة "فلسطين – نابلس" ،وأكبر سدر مكبوس"الخليج" ..الخ ، لكنني أميل الى تفسير منطقي ورد على لسان الباحث حامد النوايسة في مقابلة  مع قناة الجزيرة ، يقول فيها : " إن المنسف سمي على هذا الأساس لأن الأصل فيه هو "الجّريشّة" وقديما لم يكن هناك حصادات متينة تحصد مثل وقتنا الحالي، فكان الرجال والنساء "ينسفوا" القمح من "صدر" الطعام حتى يفرزوا الحجارة.

 

"ولإكرام الضيف وتطمينه على الطعام وجودته ونظافته كانوا قديما يقولوا له : "أكلك مٌنٌسف"أي منقى من الحصى .

 

وهذا تفسير منطقي لأن الحياة في القرون السابقة ،كانت بسيطة ولا يوجد كهرباء أو خدمات كما هو الحال هذه الايام ، والأطعمة التي كان يتناولها الناس في ذلك الزمن كانت محدودة جدا ، تعتمد بشكل أساسي على الحبوب خاصة القمح ،ولحوم المواشي ومنتجاتها من الحليب ومشتقاته من اللبن والجميد والزبدة والجبنة ،حتى الخضروات لم يكونوا يعرفون زراعتها ، وتروي والدتي الحجة"تمام بندر الربيع" أنه قبل نكبة فلسطين عام 1948 ، كانت الزراعة في منطقة الغور تقتصر على القمح والشعير والسمسم والفستق والبطيخ ، وعندما حدثت الهجرة الفلسطينية الاولى بعد قيام دولة الاحتلال الصهيوني ، جلبوا المهاجرون معهم زراعة الخضروات المختلفة .

 

ويرتبط المنسف بالموروث الشعبي والتراثي والشعبي القائم على الكرم ، ويطهى بقدور كبيرة ويقدم ب"سدور- صحون واسعة " ، ويؤكل بطريقة جماعية حيث كانت الحياة بسيطة ، فمكونات المنسف هي من القمح الذي يصنع منه خبز الشراك ، واللبن واللحم ومصدره المواشي والارز أو الجريشة .

 

ويتكون المنسف من  "الثريد"  بفتح الثاء ،ويجهز "بتفتيت" أو تهشيم الخبز الرقيق  "الشراك" بلبن المخيض أو محلول الجميد "المريس" ، ووضع الأرز أو الفريكة فوق الفتة ، وتوضع قطع لحم الخروف أو الجدي على وجه السدر . 

 

وكان يقدم بالمناسبات لضيق الحال ، مثل الاعياد والافراح وفي حالات الوفيات والعقائق، والتخرج من الجامعات أو إقامة الولائم للضيوف لمن لديهم امكانات ، وكان الناس يتضامنون مع بعضهم في مناسبات الأعراس وحالات العزاء ، بتقديم الهدايا الى أصحاب الفرح أو العزاء مثل  "المواشي- الذبائح ، والارز والسكر"، للتعبير عن روح التضامن .

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2021