القسم : بوابة الحقيقة
التعديلات المفاجئة للقوانين إهدار لمفهوم الأمن القانوني وتضعف الثقة بسيادة القانون
نشر بتاريخ : 1/2/2019 8:25:23 PM
المحامي فراس صالح ملكاوي


إن مفهوم الأمن القانوني وطبيعته ينطوي على مخاطر نظرية جعلت منه روحاً تبعث الحياة في أحكام القانون دون أن تحيطة أو تجمعه رصانة العبارات التشريعية أو جزالة ألفاظ القانون ظل معنى عميق ترنوا إليه مباني النصوص ودلالتها , فتكاد تخلو التشريعات المقارنة من تعريف مفهوم الأمن القانوني سواء كان التشريع الأساسي أو التشريع العادي وخير فعل المشرع بذلك يعتبر مفهوم الأمن القانوني الذي تربطه علاقة عضوية بمفهوم الأمن القضائي ركيزة اساسية من ركائز دولة المؤسسات ومؤشر دقيق جداً على وعي المشرع لمفهوم العدالة وإدراكه لوجوب توفير معايير ومبادئ دستورية لا تصح التشريعات إلا بموائمتها ولا تحقق الغاية من التشريع بمخالفتها رغم عدم النص عليها في الدساتير وأهم هذه المبادئ والمعايير :-

إحترام المراكز القانونية .
إحترام مبدأ الثقة المشروعة .
إستقرار المراكز القانونية .
الطابع التوقعي للقوانين .
فأكد مجلس الدولة الفرنسي في تقريره لعام 2006 على وجوب أن يكون التشريع توقعياً وأن يأمن المواطن على مراكزه القانونية والتعاقدية من خلال قيامها بإصدار تشريعات تؤثر في المراكز القانونية الناشئة عن العقود والتصرفات التي إنجازها و ترتيبها وبنائها وإتفاق أطرافها على إلتزامات وواجبات ومراكز قانونية مضافة إلى المستقبل فلا يجوز إصدار قوانين تلغي أو تعدل أو تنشأ مراكز قانونية جديدة بتشريع جديد يباغت أصحاب المراكز القانونية التي إستقرت في ظل تشريع سابق مخالفاً بذلك  التوقعات والأحكام القانونية التي بنيت عليها الحقوق بأنواعها .

وهذا ما يستفاد من قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر بتاريخ 29/12/2005 الذي تمسك بأهمية وضوح القواعد القانونية .

وإن إصدار قوانين تقوض ما إستقر عليه الأفراد من معاملات وإرتضوه لأنفسهم إعمالاً لمبدأ سلطان الإرادة الحرة يخل بمبدأ الثقة المشروعة في سلطات الدولة وعدم الإطمئنان على ما يصدر عنهم من قوانين مستقبلية تهدد صفو وإستقرار المعاملات وشكلها وآثارها .

ولما كان مفهوم الأمن القانوني يعتبر ضمانة لمواطنين الدولة وعنصر جذب مهم للإستثمارات الإقتصادية ورؤوس الأموال التي  تنتقل من رحاب الأرض لتبحث عن ملاذ آمن لحماية أموالهم ومراكزهم القانونية من تغول بعض الدول وتعسفها في إصدار قوانينها التي لا تراعي الأمن القانوني لتتحول تلك التشريعات الصماء الى طارد للمستثمرين ومصدر قلق يهدد الأمن الإجتماعي والإقتصادي .

ولقد ترسخ مبدأ الأمن القانوني في ألمانيا عام 1961 عندما أعلنت المحكمة الدستورية بألمانيا دستورية مبدأ الأمن القانوني حيث قضت (... بالنسبة للمواطنين فإن الأمن القانوني يتجلى قبل كل  شيء في حماية الثقة . ) رغم الإعتراف بالمبدأ القانوني دولياً من قبل محكمة العدل للمجموعة الأوروبية في قرارها عام 1962 ومنذ ذلك التاريخ أصبح مفهوم الأمن القانوني لا يغيب عن ذهن واضع القوانين ومصدرها لأن ثقة الشارع بدولته لا تتحقق بدون ضمان أمن القوانين .

وإن مناسبة هذا المقال هو إقرار مشروع قانون نقابة المحاميين المعدل لبعض أحكامة ومنها نص المادة (86) من القانون السابق الذي كان ينظم علاقة بين الهيئة العامة لنقابة المحاميين ومجلس النقابة حيث حددت المادة ( 86) مراكزاً قانونية على النحو التالي :-

الهيئة العامة تختار مجلسها بالإنتخابات ( تنتخب الهيئة العامة ...) المكون من عشرة أعضاء كما تختار بالإضافة لأعضاء المجلس نقيب المحامين بالإقتراع المباشر .

حددت المادة المذكورة عدد أعضاء المجلس بعشرة أعضاء , ثم حدد المشرع بذات المادة المشار إليها بأن المدة القانونية للمجلس المكون من عشرة أعضاء ونقيب والذين كما أشرت يتم إختيارهم بالإنتخابات من الهيئة العامة بمبدأ سنتين فقط .

وإعمالاً لهذا النص القانوني الناظم للعلاقة بين الهيئة العامة في نقابة المحامين وبين مجلس النقابة أجريت إنتخابات نقابة المحامين النظاميين عام 2017 .

وجاء مشروع القانون المعدل عام 2018 ليمدد المدة من سنتين إلى ثلاثة سنوات وحتى يصرح المشرع عن قصده بشكل أكثر وضوح جائت الفقرة الثانية من المادة (86) لتقطع بسريان التمديد على مجلس نقابة المحامين الذي تم إنتخابه في ظل القانون القديم لمدة سنتين وتصبح ثلاثة سنوات ...!!

وفي ذلك إنتهاكاَ صريحاً لمفهوم الأمن القانوني الذي باغت طرفي العلاقة القانونية .

( الهيئة العامة / مجلس النقابة ) والذين تعاقدا مجازا عندما إنتخبت ( فوضت ) الهيئة العامة مجلسها المنتخب في أمور نقابة المحامين حسب القانون الساري المفعول آنذاك وإن هذا التفويض الذي عبرت عنه الهيئة العامة بإعتبارها لاسلطة الأعلى بالإقتراع جاء محدداً بمدة سنتين سنداً لنص المادة (86) فذهب كل من طرفي العلاقة القانونية مطمئناً لمركزه القانوني لا يتوقع سوى حسن سير تنفيذ إلتزام كل منهما بمبدأ سيادة القانون . 

فإنني أعتقد بأن هذا التعديل جاء غير موفق ويمس الثقة العامة ويثير القلق حول مستقبل العلاقات القانونية فالمشكلة تكمن في سريان التعديل على مجلس النقابة الحالي وليس على التعديل بذاته , فماذا لو جاء التعديل بنفس المادة القانونية بأن قلص عدد أعضاء مجلس النقابة من عشرة أعضاء إلى خمسة أعضاء أو سبعة أعضاء فقط كان سيسري على المجلس الحالي ؟؟!!!!!!!

وفي حالة مشابهة نتج عنها أزمة قانونية بسبب  إستحالة تطبيق النص القانوني المعدل عندما جاء قانون نقابة المعلمين لسنة 2018  المعدل  ليقلص من عدد أعضاء الهيئة المركزية من (300 إلى 150 ) على أن يسري على الهيئة المركزية الحالية والتي جرى انتخابها في ظل القانون القديم !!!!!

وزاد الأمر تعقيداً إستقالة عدد من الأعضاء !!!!!!! فظل المستشارين القانونين في جدل وجدال حول قانونية دعوة الأعضاء الذين يلونهم الأعضاء المستقيلين بعدد الأصوات لملئ المقاعد حسب القانون القديم أو تطبيق القانون الجديد الذي حدد العدد ب (150 عضواً) مع الإشارة إلى أن عدد الأعضاء حالياً أصبح  أكثر من (250 وأقل من 300 عضواً ) , فماذا هو الحل !!!!

المر الذي واجهته غالبية الهيئة العامة في نقابة المعلمين بالرفض , مثلما عمت إحتجاجات غالبية أعضاء الهيئة العامة في نقابة المحامين النظاميين الذين وجدوا في هذا التعديل المشار إليه تجاهل لإرادة الهيئة العامة وخروجاً عن القيم القانونية وأصول التشريع من حيث سريان التعديل على مجلس النقابة الحالي رغم موافقة غالبية المحتجين على ضرورة تمديد المدة القانونية بمجلس النقابة في الدورات القادمة بمدة ثلاث سنوات .

فكان الأولى بالمشرع مع الإحترام أن ينأى بنفسه عن الانحياز لطرف دون الآخر من أطراف علاقة قانونية إنعقدت في ظل القانون القديم وأن لا يمس ما إتفق عليه أعضاء الهيئة العامة مع مجلسهم وأن يترك بدء سريان القانون الجديد المقبول نسبياً من جميع الأطراف على إنتخابات المجالس القادمة وان لا يغيب عن ذهنه إستقرار المراكز القانونية وضمان الأمن القانوني حفاظاً على الثقة العامة وتحقيقاً لمعيار التوقع التشريعي وتجنب إنعكاسات التعديل المفاجئ للقواعد القانونية والسمو التشريعي عن مظاهر الريبة وخطر الشك والقلق من إمكانية تعرض التشريعات الناظمة الساريه لتعديلات مباغته . 





جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018