القسم : مقالات مختاره
مظاهر عبثية خطيرة
نشر بتاريخ : 6/14/2017 12:29:09 PM
د.رحيل محمد غرايبة

د. رحيل محمد غرايبة

التصدي للعبث المجتمعي يمثل اولوية مهمة جداً، ويستحق منّا جميعاً وقفة حازمة وحاسمة تخلو من التهاون او التباطؤ، لانه ليس هناك اشد خطراً من التغافل عن اولئك العبثيين الذين لا يقيمون وزناً للقيم، فيتسللون من خلال الثقوب الصغيرة في الجدار الاجتماعي، ويحدثون خروقات عظيمة يصعب رتقها، مما يؤدي الى زعزعة الوحدة الوطنية والفتك  بالنسيج الاجتماعي؛ عن طريق اثارة  النزاع  والفرقة في المجتمع، وحدوث انقسامات مجتمعية حادة تحمل اثاراً خطيرة على مجتمعنا ومستقبل اجيالنا.

ومن هذا المنطلق يجب الوقوف على مجموعة من المظاهر التي تشكّل جرس انذار بالغ الخطورة، ويستدعي الاستنفار العام لوقف هذا العبث ومعالجة اسبابه بطريقة ناجعة بعيداً عن العشوائية والارتجالية، وبعيداً عن منطق السطحية والفجاجة الذي اصبح سمة لفئة قليلة لا تحمل الهم العام ولا تتمتع بحس المسؤولية المطلوبة بحدها الادنى. 

 المظهر العبثي الاول يتمثل باثارة النعرات الاقليمية والانتماءات الضيقة، والتي تشكل تهديداً خطيراً للتماسك الاجتماعي، وتؤدي الى زعزعة الوحدة الوطنية، حيث ان هذا النوع من التعصب يجد قابلية احياناً عند شريحة ليست قليلة في ظل ضعف الانتماء الوطني، وفي ظل التقصير في ايجاد مناهج التربية الوطنية السليمة القائمة على اصول تربوية مدروسة بعناية بعيداً عن الشخصنة، وبعيداً عن منهج التزلف والنفاق، حيث يجب الاستفادة من تجارب المجتمعات المتقدمة التي نجحت في صناعة الهوية الجامعة  والانتماء الوطني العميق، الذي يقوم على احترام الكفاءات والجهود العلمية، واتقان العمل وحسن الانجاز ونجحت في تقليل اشكال التعصب المقيت الذي يلحق الضرر بالمجتمع ومستقبله، وتكمن الخطورة في هذا النوع من العبث عندما يظهر التعصب في سلوك بعض اصحاب المواقع والمسؤولية، ويكون احيانا برعاية بعض من يحسبهم الناس كبارا. 

المظهر العبثي الآخر يتجلى بمحاولة اثارة التجرؤ الفج على المنظومة القيمية المجتمعية، ومحاولة ادخال مجموعة من القيم الغربية المستوردة بطريقة سمجة ومستفزة، مثل ما يتعلق بحالات الشذوذ الجنسي التي يطلق عليها المثلية التي وجدت طريقها لبعض المجتمعات الاجنبية، وفي هذا السياق نقول : لا احد يطالب بالتفتيش عن هذه الحالات وماذا يصنع هؤلاء في بيوت آبائهم وامهاتهم، ولكن المجاهرة والتجمع والاحتفالات المعلنة لفرض هذه الحالة الشّاذة  على مجتمعنا لا يمكن وصفها الا بقصد زعزعة قيم المجتمع، وسلوك حاله عدوانية  ممنهجة لتدمير منظومتنا القيمية، ويكمن الخطر عندما يتم ذلك من قبل بعض الجهات الرسمية، او من بعض اصحاب المواقع المسؤولة، التي تسخر المال العام ومقدرات الدولة في الاعتداء الصارخ على قيم المجتمع وهوية الامة الحضارية. 

 وعندما تثور اغلبية المجتمع الساحقة ضد هذه المظاهر الشّاذة ينبري بعض ادعياء الحرية والتقدمية بالتصدي لراي المجتمع تحت باب حرية الراي والتعبير، او تحت وابل النقد الساخر لاصحاب المنهج المتدين او المنهج المحافظ، او الذهاب الى تسفيه الراي المخالف تحت باب نسيان القضايا الوطنية الكبرى، فهذا لون من الوان العبث الذي لا يمكن احتماله او تمريره والتغافل عنه . 

هناك مجموعة اخرى من المظاهر العبثية التي تطال منظومة السلوك المجتمعي، وتسيء الى المظاهر العامة لمجتمعنا؛ مثل الاتجار بالغذاء الفاسد والاستهتار بقوت المواطن وامنه الغذائي، كما حدث مؤخرا بقصة الدجاج الفاسد، وكذلك مظهر القاء القاذورات من فبل اصحاب السيارات اثناء السير في شوارع العاصمة ومدن المملكة وقراها، دون رادع من خلق او ثقافة او انتماء او شعور وطني، وهناك مظهر عبثي اخر يتجلى بالدعوة الصريحة الى اظهار الافطار في رمضان والمجاهرة المصطنعة المستفزة للشعور العام  في الاسواق من اجل تشجيع حس التمرد على قيم المجتمع، الذي تعود عبر تاريخه الطويل على احترام مشاعر الاخرين والالتزام بمعايير الذوق العام، التي تؤدي الى تشجيع سلوك الاحترام المتبادل وتشجيع الالتزام الاخلاقي الجماعي، الذي يعبر عن هوية الامة ومنظومتها القيمية، وسجلها الحضاري الطويل، الذي تشكل عبر مئات السنين، من خلال التفاعل مع الدين واقوال العلماء والحكماء واصحاب التجربة والمسؤولية العامة الذين اسهموا في ترسيخ المرجعية العليا التي تضبط السلوك الجمعي للتجمعات البشرية بعيداً عن العبث  والفوضى والبلطجة والتناقض القيمي والسلوكي الذي يقود الى النزاع والصراع والانقسام المجتمعي ومن ثم الفناء والانهيار المحتم .

عن الدستور

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018