القسم : مقالات مختاره
مغالطات أطروحة أسلمة التطرف
نشر بتاريخ : 9/27/2016 11:30:31 AM
حسن أبو هنية
حسن أبو هنية

في سياق محاولة فهم وتحديد أسباب شيوع ظاهرة العنف في المجال العربي الإسلامي وتحولها إلى ظاهرة معولمة تتجاوز الأطر الوطنية من خلال حركات إسلامية عابرة للحدود تنامت الدراسات في تعليل طبيعة وأبعاد الظاهرة عقب هجمات 11 ايلول 2001 مع بروز تنظيم القاعدة كحركة احتجاج عالمية مسلحة تناهض الغرب وبعد موجة الانتفاضات العربية 2011 وانتكاسها تكاثرت الأبحاث في تفسير صعود تنظيم الدولة الإسلامية الذي دمج الأبعاد العنفية المحلية والعالمية وتجاوز حدود العنف من المجال السياسي إلى الحيز الهوياتي.

لقد هيمنت خلال حقبة نهاية الحرب الباردة وبروز تنظيم القاعدة مقاربات تستند إلى الأطرحة الاستشراقية والثقافوية التي تقوم على فرضية «تطرف الإسلام» وتضع مسؤولية انتشار العنف على عاتق أطروحات الإسلام السياسي الإيديولوجية منذ نشأته التاريخية على يد الدولة الأموية وصولا إلى تنظيم الدولة الإسلامية ومع استقالة أطروحة «تطرف الإسلام» وتناقضها البنيوي وعجزها التفسيري ووقاحتها الإنكارية وفقدانها للمصداقية تقدم أحد أكابر منظريها وأكثرهم شهرة وهو أستاذ العلوم السياسيّة الفرنسي أولفييه وروا باعتراف مقتضب يشير إلى عدم جدوى الموقف الثقافَوي السائد الذي يضع المسؤولية على عاتق الإسلام السياسي ليذهب إلى فرضية بدت جديدة تقترح فرضيّة قوامها «أسلمة التطرُف» باعتبارها تقدم تفسيرا لما أطلق عليه «ظاهرة جيليّة عدميّة» وفي سياق إضفاء طابع علمي على الفرضية يؤكد روا أن تحليل الظاهرة الجهادية تهيمن عليها اليوم قراءتان على المشهد وتهيكلان المناظرات التليفزيونية أو صفحات الرأي في الصحف وهما عمومًا: التفسير الثقافي وتفسير العالم الثالث، إذ تُبرز الأولى الحرب المتكررة والملحة بين الحضارات وتبين ثورة الشباب المسلم كيف أن الإسلام لا يمكنه الاندماج على الأقل ما لم يحذف إصلاحٌ دينيٌ الدعوةَ إلى الجهاد من القرآن وتشير الثانية باستمرار إلى معاناة ما بعد الاستعمار وتبني الشباب للقضية الفلسطينية ورفض التدخل الغربي في الشرق الأوسط وإقصائهم من المجتمع الفرنسي العنصري وكراهية الإسلام.

لا جدال بأن هجمات تنظيم الدولة الإسلامية الأخيرة في أوروبا وخصوصا تلك التي استهدفت باريس وبركسل كانت دافعا لإعادة النظر وتعميق النقاش واحتدام الجدل حول الظاهرة «الجهادية» فأوليفيه روا حاول أن يقدم بعضَ المفاتيح الخاصّة بالمجتمع الفرنسي لفهم الظاهرة الجهاديّة في حيّزها الداخلي إلا أن أطروحة روا التي اجتهدت في إصباغ صفة العلمية على نظريته وجدت معارضة من طرف فرنسوا بورغا وهو أحد كبار علماء السياسة في فرنسا الذي أصر على أن لا مجال للفصل بين الحيثيّات الداخليّة للظاهرة الجهاديّة والسياسات الخارجيّة للدولِ الغربيّة في المنطقة فبحسب بورغا تكشف فرضية تطرف الإسلام وبديلها أسلمة التطرف المرض الذي يستفحل في الغرب منذ عقود والذي يتمثل «بعدم قدرتِنا على بناء نظرة عقلانِيّة عن هذا الإسلام الذي نصفه بأنّه سياسيّ ثم نسارع بسحب العنصر السياسي من محفّزات فاعليه تحت ذرائع لا تعدّ ولا تحصى تماما كما يفعل الموقف الثقافوي.

يؤكد بورغا على ضرورة الربط الجدلي بين التصرفات المتطرفة التي تتجلّى في فرنسا أو الغرب مع «آلام حقبة ما بعد الاستعمار حيث تماهي الشباب مع القضية الفلسطينية ورفضهم للتدخلات الغربيّة في الشرق الأوسط وإقصائِهم داخل مجتمعٍ فرنسيّ عنصريّ ومعادٍ للإسلام ويرفض نفي العلاقة بين التطرف وصلتها بالأداءِ السيِّء لفرنسا تجاه سياسات الاندماج وماضيها الاستعماري أو الأخطاء السياسيّة التي سبق وارتكبها في العالم الإسلامي إذ يتقاسم هذا الموقف مع نظيرِه الثقافوي سبيلاً من شأنه أن يؤدّي إلى التنصل من مسؤوليتنا.

على الرغم من جاذبية أطروحات أوليفييه روا محاولتها تجنب المقاربات الاستشراقية والثقافوية التقليدية إلا أن نظرياته تتلبس بها إذ تفتقد إلى أي قدرة تفسيرية وتنبؤية لإهمالها للشروط والظروف الموضوعية وازدرائها للنظريات «العالمثالثية» باعتبارها لا تعدو عن كونها خطاب حقد بال فصاحب نظرية «أسلمة التطرف» الجذابة سليل مسار طويل من الأخطاء البدهية والفشل الذريع في بناء توقعات مستقبلية للظاهرة الإسلامية ففي كتابه الصادر عام 1992بعنوانه المثير «فشل الإسلام السياسي» تنبأ بنهاية حقبة الإسلام السياسي وتجاوزه إلى مرحلة «ما بعد الإسلام السياسي» نظرا لانغلاقه وعدم مرونته التأويلية وجموده حيث حاجج بصورة يقينية حتمية عن فرضية تراجع الإسلاموية كبديل سياسي صالح بفعل مسارات العولمة وتفتيت المقدس وتحول حقل التجربة الفردية للإسلام على أساس منظومة عولمية جديدة تقوم على الدفاع عن الحقوق المدنية والفصل بين المجالات السياسية والدينية ثم عاد في شباط 2011 ليقول بأن الجيل «ما بعد الإسلامي» كذلك فقد مصداقيته نهائيا ولا يمكن أن يحقق نجاحا في أي منازلة انتخابية ذلك أن مسار العولمة عمل على تقويض المسألة الدينية وفي إصرار عنيد نفى أي صلة لما بعد الإسلام السياسي بثورات الربيع العربي وبناء على ذلك التحليل المجاني تنبأ بأن الإسلاميين لن يحققوا أي فوز في الانتخابات لأنهم لم يشاركوا في المظاهرات لكن نتائج الانتخابات جاءت على خلاف توقعاته الغرائبية.

خلاصة القول أن اطروحة اسلمة التطرف لا تخرج عن جوهر النظريات الثقافوية في تعليل أسباب تصاعد موجة العنف على الرغم من جماليتها البلاغية وتماسكها الشكلاني وهي فاشلة في طاقتها وامكاناتها التفسيرية وقدرتها التنبؤية وتنتهي إلى القول بعدمية الظاهرة ويكمن ضعفها البنيوي في محاولة فك الارتباط بين العوامل الداخلية والخارجية لنفي مسؤولية العرب عن شيوعها وعدم رغبتها في تفهم دوافع الفاعلين التي تستند إلى مسائل وقضايا مركبة ومعقدة تتعلق بسلسلة من التدخلات الخارجية الدولية في المنطقة ودعم وإسناد إسرائيل وغياب أي تسوية وحل للقضية الفلسطينية وانسداد الأفاق السياسية في معظم دول المنطقة وشيوع الاستبداد وتنامي الصراعات الهوياتية الأمر الذي يتطلب مقاربة أكثر جدية ومعالجة جذرية للأسباب والشروط والظروف الموضوعية العميقة التي أدت إلى ازدهار الظاهرة الجهادية ونموها وانتشارها، وذلك عبر تقديم نموذج ناجح للحكم الرشيد يتوافر على تجديد الثقة بإمكانية التغيير والإصلاح وترسيخ قيم سياسية تستند إلى مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية والتعددية.

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018