القسم : مقالات مختاره
"شبعنا حكي.."
نشر بتاريخ : 11/6/2016 1:51:39 PM
د. صبري الربيحات

د. صبري الربيحات

 المحاضرات والندوات واللقاءات التي اعتادت المؤسسات العلمية والثقافية تنظيمها تشكو اليوم من تقلص حجم  الحضور. بالرغم من  تعدد الوسائل التي يلجأ  لها المنظمون من إرسال الدعوات والإعلانات في الصحف والإذاعات وإجراء الاتصالات الشخصية، إلا أن أعداد الحاضرين للفعاليات الفكرية والثقافية لا يصل إلى الإعداد التي يطمح  إليها القائمون على تلك الأنشطة والفعاليات.

في حالات نادرة عندما يكون المتحدث داعية أو شيخا حداثي المظهر أو خبيرة تغذية أو فلكيا من الذين أصبحوا يقرأون أبراج الساسة ويتنبأون بمستقبل نجوم الفن والإعلام، يكتظ المكان بحضور يفوق التوقعات وتتحول المؤسسة الداعية أو حديقة الأسرة المستضيفة للمتحدث مقصدا لجماهير لم تكن تعرف عن وجودها أو تقع ضمن اهتمامها.

ظاهرة  تدني الإقبال على اللقاءات العامة والمحاضرات والضجر وقلة الاكتراث الذي يهيمن على مزاج من يحضرون تلك الفعاليات أصبحت عامة وملفتة، بعد أن تسللت إلى الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب؛ فالغياب المتكرر للطلبة عن المحاضرات واختلاق الأعذار والمبررات أصبحت الشغل الشاغل للعديد من الطلبة النظاميين في الجامعات والمعاهد وحتى المدارس.

في اللقاءات العلمية والثقافية وحتى الاجتماعات الرسمية والمؤتمرات التي تدعو لها المؤسسات،  يكون الحضور لافتا في الافتتاح ثم ما يلبث أن يتناقص تدريجيا  ليقتصر على المتحدثين والمنظمين وبعض الأصدقاء عند قرب انتهائها. استمرار عقد هذه الفعاليات بالرغم من علم المنظمين بهذه الحقائق يثير أسئلة جوهرية عن الدوافع والجدوى والعائد الذي يمكن أن يحققه عقدها للمشاركين والممولين والمجتمع.

خلال الأعوام الأخيرة حاول البعض أن يعالج مشكلة تدني الإقبال على المشاركة والالتزام  بالمواعيد من خلال إضافة بعض المحفزات؛ فأصبح اختيار المكان ونوعية الضيافة وإمكانية اصطحاب الأسرة للمنتجعات التي تعقد فيها الفعاليات أحد عناصر الجذب التي يمكن أن يضمن من خلالها الداعون حضورا معقولا يقنع الممولين ويلفت أنظار وسائل الإعلام التي قد تهتم بتغطيتها ومع  كل ذلك لا تزال المشكلة قائمة.

أظن أن جذور المشكلة تعود إلى تدني الرغبة لدى غالبية العرب في الحديث أو مناقشة الشوؤن والقضايا العامة في الفضاء العام. ويعود ذلك لأسباب سياسية وثقافية واجتماعية يصعب حصرها، فالبعض يرى أن لا جدوى من كل ما يمكن أن يقال في المحاضرات والاجتماعات والندوات ما لم تتبنّه الإدارات المخولة بالتنفيذ، ويعتبرون نقاش القضايا والأفكار في الفنادق والمنتديات والقاعات المغلقة تمرينا ترفيا لا  ولن يكون له انعكاس على حياة المجتمع وسلوك مؤسساته وأفراده، فهم يتحدثون في فضاء نظري افتراضي يختلف عن الواقع وما يدور فيه، ولا يوجد شواهد على التزام وتطبيق المتحدثين بما يطرحونه من نظريات وأفكار، فالهوة بين النظرية والتطبيق تتسع يوما بعد يوم.

في الثقافة الشعبية يصف الناس ما يقال في المحاضرات والخطب ووسائل الاعلام بــ(حديث السرايا) وما يجري ممارسته في الحياة العامة والتفاعلات اليومية بـ(حديث القرايا) ويعبرون عن العلاقة القائمة بينهما بالقول إن (حكي السرايا ما بيجي لحكي القرايا). يعلم الكثير من الناس في أعماقهم أن التغيير عملية بطيئة وتخضع لعوامل سياسية وعقائدية واجتماعية يصعب تجاوزها، لذا فهم لا يرون فيما يقال في المحاضرات والندوات ووسائل الإعلام أكثر من تمارين ذهنية أو استعراض أو مشاهد استعراضية تعكس معرفة واطلاع المتحدثين دون أن تعبر بالضرورة عن اتجاهاتهم وميولهم وممارساتهم، وربما يفسر ذلك إقبال الجمهور على اللقاءات التي يتحدث فيها الدعاة والوعاظ أكثر من الفعاليات التي ينظمها دعاة الحداثة والتغيير.

التعليقات التي تسمعها عند سؤالك لبعض الذين استنكفوا عن حضور ندوات ولقاءات كانوا قد دعوا اليها تتلخص في عبارة (شبعنا حكي)؛ أي أن ما يقال لا يتجاوز في قيمته وتأثيره حدود المكان الذي قيل فيه، الأمر الذي يمنح الكثير من الأفراد مسوغات العزوف عن المشاركة ويسهم في إفراغ مناسباتنا وأنشطتنا الفكرية والثقافية والسياسية من المعاني والمقاصد والمضامين التي نلصقها بها.

عن الغد

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018