القسم : مقالات مختاره
من يؤثر بمن؟
نشر بتاريخ : 10/30/2016 6:49:25 PM
د. صبري الربيحات

د. صبري الربيحات

العلاقة القائمة بين الجمهور ووسائل الاتصال باتت غير مفهومة، فلا أحد يستطيع أن يجزم ما إذا كان ما تتحدث به وسائل الاتصال هو الهم الذي يشغل الناس، أم أن ما يتحدث به الناس هي عناوين دفعت بها وسائل الاتصال عبر سيل رسائلها التي لا تتوقف؟ فهل وسائل الاتصال مرآة للواقع تنقل همومنا وانشغالاتنا أم أننا منقادون ومسحورون نتبع أهواء من يجلسون على مقاعد الإعداد والتحرير؟ في وسائل الاتصال المرئي والمسموع يضع المعدّون أجندات البرامج  ويقررون القصص والأخبار والصور والروايات التي ستشغلنا. وفي كثير من الأحيان تشغلنا الرسائل التي نتلقاها عن انشغالاتنا الحقيقية؛ فمن يؤثر بمن؟ 

على امتداد خريطة العالم هناك قضايا مشتركة تشغل الجميع مهما كانت جنسياتهم ودياناتهم ومستواهم التعليمي والمعيشي. فكل سكان الأرض معنيون بقضايا المناخ والبيئة والعلوم والأبحاث التطبيقية والتكنولوجيا والاكتشافات والمنتجات التكنولوجية والموضة والأمن وجهود الوقاية من الأخطار والكوارث وغيرها من القضايا التي تتجاوز في أهميتها وتأثيرها حدود المكان.

وبالإضافة إلى الهموم العامة التي يشترك فيها سكان الأرض تنشغل الأمم والشعوب ببعض القضايا والأحداث التي قد تقع في مجالها ومحيطها الجغرافي الاجتماعي وتتاثر به حيث تسعى الى فهمها ومتابعتها والاستجابة لها بما يحد من أخطارها أو استثمارها لإكساب المجتمع القوة والخبرة  والمنعة التي يحتاج لها في التصدي لمثل هذه الظواهر والتقليل من الأضرار الناجمة عنها.

في كل الأحوال هناك جدل لا ينتهي حول طبيعة أدوار وسائل التواصل والاتصال وفيما إذا كانت أدوارها موجهة إلى تكوين المعرفة وتعبئة الرأي العام وخلق المشاعر المناصرة أو المعادية للقضايا والأحداث التي تعني الجمهور وتستدعي استجابته، أو أنها مجرد وسيط أمين لنقل مشاعر وأحاسيس ومواقف واتجاهات الجمهور من القضايا والحوادث دون اتخاذ أي موقف من القضايا والأحداث والأخبار التي تنقلها.

قبل أيام تابعت حوارا  شبابيا على إحدى محطات التلفزة العربية حول واقع الإعلام والتأثير الذي تمتلكه وسائل الاتصال في المجتمعات الحديثة. وقد تنوعت الأوصاف والإجابات التي قدّمها المشاركون للأدوار؛ ففي حين رأى بعضهم أن دور الوسائل وتأثيرها كان عرضة للتضخيم والمبالغة اثناء وبعد الربيع العربي، أشار آخرون إلى أهمية الاعتراف بأن للوسائل الجديدة واستخداماتها قوة غير مسبوقة بحيث يمكن اعتبارها العامل الأهم والأكثر تأثيرا فيما حدث في البلدان العربية التي مرّ عليها الربيع العربي. وقد استشهد هؤلاء بقدرة الوسائل الجديدة على البث والتحشيد والقيادة والسيطرة والتنظيم بصورة تفوق قدرة الأنظمة ومؤسساتها المعنية بالحفاظ على الأمن وضبط الأوضاع.

ومهما يكن الرأي حول فعالية وتأثير وسائل الاتصال فإن الحاجة الإنسانية إلى تلقي الأخبار والاستمتاع بما تقدمه الوسائل من برامج تحترم عقل وذوق المتلقي هي حقيقة يصعب تجاهل وجودها بالرغم من تباين اهتمامها وتغطيتها وطريقة تناولها للموضوعات، ففي حين نجد بعضها يهتم بالتسلية والترفية، يتناول بعضها القضايا بأساليب الوعظ والإرشاد ويتخصص بعضها ببث الدعاية والإعلان كما ينشغل العديد منها بصناعة الأخبار ونقلها وتحليلها.

في  الوسائل التقليدية تحاول الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية أن تصنف رسائلها ومضامينها في ابواب وبرامج يخصص بعضها للسياسة ويتناول بعضها الآخر الاقتصاد والترفيه والشأن الدولي والعربي والمحلي إضافة إلى الاراء والمنوعات والأدب والدعاية والترجمات وغيرها من الأجزاء التي تعتقد سلطات صناعة القرار الإعلامي بأهميتها للمتلقي دون الالتفات كثيرا للأسئلة التي يمكن أن يطرحها عن المعلومات الغائبة او منطقية الأحداث أو حقه في إعادة فحصها والتحقق منها.

في معظم وسائل الاتصال الرسمي نادرا ما نجد تفصيلات كافية عن أخبار الجرائم وقضايا الفساد وإنفاق المؤسسات وأخطاء المسؤولين؛ وهي الموضوعات التي تختارها الصحافة الصفراء والمواقع الالكترونية موضوعا لها وربما يكون ذلك أحد أهم أسباب شعبيتها ورواجها.

واقع وسائل الاتصال في بلادنا وانقسامها إلى ملتزمة وغير رسمية ناجم عن تباين الخطاب الذي تستند له هذه الوسائل؛ فالرسمية تتبنى خطاب السلطة ومواقفها وأولوياتها، أما الوسائل غير الرسمية فإنها تجتهد في ملء الفراغ الذي تركته الوسائل الرسمية ومحاولتها إشباع فضول المتلقي والإجابة عن أسئلته التي تجاهلتها رسائل الوسائل الرسمية.

وسائل الاتصال تؤثر في معارفنا واتجاهاتنا وسلوكنا لكنها تتركنا دائما أكثر قلقا وتشويشا وبحثا  عن الحقيقة الغائبة.
عن الغد

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018