القسم : بوابة الحقيقة
دياثة النخب في مواجهة "القرن"
نشر بتاريخ : 9/16/2018 7:55:24 PM
فراس ملكاوي


على كل منعطف خطر يمر به الوطن يتضح مقدار الضعف والهشاشة التي تتسم بها الجمعيات والاحزاب والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية وفي مقدمتها النقابات المهنية والصالونات السياسية ورجالاتهم الذين طالما رتلوا مزامير الولاء والانتماء وابتهالات عرار ودرويش .

وفي الوقت الذي تشهد به البلاد سيولة في الحراك الشعبي ومحاولات فردية هنا وهنالك لخلق حالة شعبية مقاومة قابلة   للتطبيق لمجابهة  الاحداث المتسارعة التي فرضتها غطرسة الادارة الامريكية على الواقع من خلال ما يسمى (صفقة القرن) .

هذه الصفقة ( الفزاعة ) التي ألقت برياح سمومها على كافة القطاعات في الدولة فبعثت في الغالبية الشعور بالهلع من مستقبل أسود لا يوجد فيه حق العودة ولا القدس ولاحتى حكايات عز ترثها الأجيال ، والحذر من مظنة أن تكون كارثة القرن  على الشعب الفلسطيني المكلوم لوحده وإنما  حتما ستتعداه الى الطعن بحق الشعب الاردني في أرضه وهويته .

وباستشراف البعد الصهيوني وآماله من  ( صفقة القرن ) يبدو جلياً الدفع بالدولة الاردنية الى مواجهة كارثية مع شعبها من جهة ومع الشعب الفلسطيني من جهة اخرى إذ ترمي الصهيونية من هذه الصفقة إلى إحالة ملف التصدي للمقاومة الفلسطينية بالداخل عن كاهلها الى جعلها مسؤولية الدولة المتحدة أي الاسم الذي ستطلقه على نفسها على شكل كونفدرالية بين السلطة الوطنية الفلسطينية والمملكة الاردنية الهاشمية والتي إذا ما تمت سيكون في مقدمة أولوياتها بالضرورة بسط سيادتها ونفوذها وتطبيق قوانينها التي لن تتفق بالضرورة مع قوانين المقاومة القائمة على مناهضة الاحتلال بكافة الوسائل .

من المعروف تماما بان ما يسمى بصفقة القرن هو تصفية بالكامل للقضية الفلسطينية وإغلاق لملف اللاجئين وتجفيف مصادر الإغاثة ومسخ حقهم في تقرير المصير وتوطينهم في الدول المضيفة الامر الذي سيؤدي بالضرورة الى واقع جديد تفرضه الديمغرافيا السياسية على شكل إدارة الدولة الاردنية وبذلك تتحقق صهيونية فكرة الوطن البديل .

وعلى المستوى الشعبي يرفض الأردنيون والفلسطينيون مجرد الحديث أو حتى الايماء بفكرة الوطن البديل ( صفقة القرن ) . رغم نشاز بعض اللوبيات المدفوعة بتوجيهات من الموساد ووكلائها .

إلا أن هذه الحرب الهجينة غير العسكرية القائمة على بث الفوضى والقلاقل وتوظيف الازمات من خلال الضغط على جراح الشعب وإضعاف التيارات  المناهضة بتعظيم ثغرات وعجز الحكومات الاردنية والفلسطينية وتقصيرها في محاربة الفساد وتوفير حياة كريمة وتوفير فرص العمل ورفع الأعباء الاقتصادية واعلاء القيم الرأس ماليه والاسراف بسن تشريعات غير ملائمة لواقع الهوية الوطنية بدعوى الحداثة والتجدد الحضاري باستيراد أنظمة اجتماعية مسخت المجتمع وأدخلته في أزمة اللامنتمي .

وليس سراً ان صندوق النقد الدولي يمارس ضغوطه على الحكومة الاردنية لتعديل تشريعاتها المالية ( قانون ضريبة الدخل ) كما يطالبها بالحد من موظفي الحكومة وذلك  في سياق محاولات اثناء النظام الاردني عن موقفه الرافض لصفقة القرن .

ولا يخفى عليكم غاية الإدارة الأمريكية من قطع الدعم المالي عن (الأونروا ) والتي كان انشائها بمثابة كفارة عن ذنب  المجتمع الدولي تجاه جريمة صمتهم بالنسبة للبعض  عن الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتشريد أهلها وبمثابة مكيدة أخرى متممه لجريمة وعد بلفور .

وأمام حقيقة مصيرية هذه المعركة كشف الحراك الشعبي المختلط عن هشاشة وهامشية الاحزاب ذائعة الصيت كما وشت بهم بلادة تفاعلهم مع عظمة التحدي  بتحالف غالبية القيادات مع أصحاب مؤامرة الكونفدرالية المشؤومة طمعاً بإتساع تجارتهم وتعاظم نفوذهم وازدياد أعداد خدمهم وعبيدهم ليسيطر عليهم سلطان الوهم باحتمالية نجاح مخططهم .

ولأن التصدي للخطر الداهم يحتم علينا أخلاقياً ووطنياً النأي بالنفس والسمو بها عن الضغط على جراح بعضنا والخروج عن التموضع خلف خطايانا والتوقف عن تراشق الاتهامات في محاولة لايجاد شماعة نشبعها شتما ونعلق عليها فشل مرحلة إتسمت بضعف المؤسسات والنقابات والاحزاب التي جرى تدجينها بما يوائم الامتثال والطاعة المطلقة لسياسيات حكومية يصفها تردي الواقع الحالي بانها سياسيات اقل ما يقال عنها بأنها حمقاء وغير وحكيمة وكانت أسيرة لنوايا ظنوا واهمين أنها حسنة .

حيث كانت الحكومات المتعاقبة بارعة ومؤهلة جيداً على قتل روح المقاومة وإرهاق نضال شعبها الساعي للتخلص من التبعية للأجنبي والهيمنة على مقدرات وثروات الوطن طمعاً ببناء مؤسسات دولة قائمة على سيادة القانون وتحقيق فريضة العدالة الاجتماعية الغائبة، فراحت تلك الحكومات تغذي الهويات الفرعية مستغلة دناءة السعي المحموم لدى بعض من نصبوا أنفسهم قيادات ، وتناحر جماعات لا تبحث إلا عن إمتيازات وزعامه والمزيد من الكبر والاستعلاء وتحفييز شهوة الاستعباد والتسلط، و لم تكن معنية بالقدر الكافي  بإعداد عنصر وطني مؤهل للدفاع عن وطنه ضد أي خطر خارجي بأشكاله المزيفة ، فأصبح الشارع في غالبيته مصاب بداء نقص المناعة الوطنية ومستعد ذهنيا  للاستسلام لأي فايروس إعلامي او مخابراتي خارجي مصنوع في مختبرات المستشرقين وأروقة الجواسيس .

في حين أن دور المؤسسات والاحزاب والنقابات  في مثل هذه الظروف يكمن في بث روح الايمان سواء كان هذه الايمان دينياً او سياسياً في نفس الشعب ، كما يكمن دور قيادات ونخب هذه المؤسسات في خلق إيمان لدى الشعوب لدفعها في نضالها من أجل فكرة ما ، فالايمان بالمعتقد أياً كان هذه المعتقد يشكل طاقة روحية هائلة تمد الشعب بالصمود والاستمرارية بالنضال والرغبة بالتضحية .

إن تواري المؤسسات والنقابات والاحزاب والوجهاء والاعيان عن الانظار في مثل هذه الظرف الدقيق يلقي عليهم بظلال الريبة والشك ويفضح تورطهم بعلاقة غير وطنية جمعتهم مع اصحاب المشروع العميل.

فيتعين على الاحزاب والنقابات والنخب وكافة قوى الشعب الحية أن تستعيد إدراكها لخطورة المشروع الصهيوني على البشر والحجر ، وعليها أن تدرك ان صفقة القرن تستهدف الى تكريس التجزئة والتناحر وضمان إستمرار تبعية دول المنطقة والهيمنة على قرارها الوطني وثرواتها واستعباد شعوبها .

فالمطلوب اذا من النقابات المهنية والاحزاب وكافة الجمعيات الوطنية ان تعيي مسؤولياتها ودورها الوطني والاخلاقي في مجابهة التغول الصهيوأمريكي وأن تدرك بأن خطاب الرفض للغطرسة الصهيوامريكية وأيصال رسالة للعالم مفادها تمسك الشعب الفلسطيني بحقه بالعودة الى أرضه أكثر نفعاً للوطن وقيادته من التماهي مع السياسة الرسمية بل ربما يمنح القيادة قوة وحجة في كسب الوقت لإيجاد  ممر آمن بدون تنازلات .

وأخيراً فأنني لا أجد مبرراً لمن يلوذون بالصمت والتجاهل اذا ما تعلق الامر بتصفية وطن أو كما قال المحامي عبدالرحمن الحجوجي واصفاً الازمة بان ( شعباً مهدد بأرضه ويقصد الشعب الفلسطيني وشعباً مهدد بهويته ويقصد الشعب الأردني  ) فالعلاقة بين الشعبين تواقفية بمعنى أن وجود كل منهما موقوف على وجود الآخر وإن تعاضد الشعبين العظيمين  في مواجهة المؤامرات نتيجته هي الكرامة بلا شك .

وذلك مرهون بجدية القوى الحية في المواجهة والمقاومة والرغبة في المحافظة على أوطان هي أكبر من انظمتها إذا ما أجبرت الشعوب على الاختيار وهي شريانها المتدفق بالتضحيات والموت دونها إذا اشتدت عليها المؤامرات.

ورغم ضرورة المقاومة ما زلت مصراً على رأيي بأن الادارة الامريكية ليست بمكان يسمح لها بفرض أية مشروع على المنطقة فما بالك المتعلق منها بالقضية الفلسطينية، لاسيما بعد تعاظم الدور الروسي وصمود النظام السوري فتبقى الصفقة وقرنها مجرد أوهام، مالم يفاجئنا سامري أعرابي خبيث حالم بالزعامة أو أحمق أرعن مدفوع بأحقاد الماضي ليغرق السفينة المنهكة .

فالأسياد المتوارون الذين يسيطرون على أرواحنا ترعبهم فكرة نهضة شعوبهم ...

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018