نشر بتاريخ :
04/04/2025
توقيت عمان - القدس
9:59:28 PM
في خطوة هزت أركان الاقتصاد العالمي،
أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن فرض رسوم جمركية مشددة طالت أكثر من
180 دولة، مستهدفًا الحلفاء والخصوم على حد سواء. وتراوحت هذه الرسوم بين 10%
و50%، لتسجل بذلك أعلى مستوياتها منذ أوائل القرن العشرين، مما أحدث اضطرابًا
هائلًا في أسواق المال العالمية التي فقدت تريليونات الدولارات من قيمتها السوقية.
وحذرت وكالة "فيتش" من أن
هذه السياسات قد تدفع العديد من الدول إلى براثن الركود الاقتصادي، بينما ارتفعت
احتمالات انزلاق الاقتصاد الأمريكي نفسه إلى حالة ركود إلى 40% بعد تطبيق هذه
التعريفات الجمركية الصارمة. وتبرز هذه الإجراءات كضربة قوية للاقتصاد العالمي،
خاصة في ظل الاعتماد الكبير للتجارة الأمريكية على شراكات دولية واسعة، حيث بلغ إجمالي
حجم التبادل التجاري الأمريكي مع دول العالم 5.4 تريليون دولار في العام الماضي،
أي ما يعادل نحو 16% من إجمالي التجارة العالمية.
حالة من عدم اليقين الاقتصادي تسيطر
على العالم وتحذيرات من موجة تعريفات انتقامية
وصف بن باول، كبير استراتيجيي
الاستثمار لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ في BlackRock،
هذه التطورات بأنها غير مسبوقة، قائلًا: "هذا يوم استثنائي. لم يكن معظم
الاقتصاديين يتوقعون أن يكون التأثير بهذه الضخامة. الأسواق دخلت في حالة من عدم
اليقين، والمستثمرون يراقبون بحذر ردود الفعل العالمية. قد نشهد موجة من التعريفات
الجمركية الانتقامية من عدة دول، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي."
وأشار باول إلى أن هذه الإجراءات ستؤدي
حتمًا إلى ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة، حيث من المتوقع أن تصل إلى
4% خلال الأشهر القليلة المقبلة، مما سيزيد من الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي
الذي يجد نفسه في موقف صعب بين دعم النمو الاقتصادي وكبح جماح التضخم المتصاعد.
الحلفاء والخصوم يدفعون الثمن وتوقعات
بإعادة تشكيل التجارة الدولية
لم تستثنِ قرارات ترامب أي طرف، حيث
فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 20% على الاتحاد الأوروبي واليابان،
بينما تحملت الصين رسومًا تجاوزت 50% على بضائعها، مما يضع ضغوطًا هائلة على ثاني
أكبر اقتصاد في العالم. أما دول أخرى مثل فيتنام (46%) وتايوان (32%) وكوريا
الجنوبية (25%)، فقد تلقت أيضًا ضربات موجعة.
وعلق باول على هذه الخطوة قائلًا:
"هذه القرارات لم تقتصر على الاقتصاد الأميركي وحده، بل ألقت بظلالها على
الأسواق العالمية بأكملها. نحن أمام سيناريو قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التجارة
الدولية، حيث بدأت بعض الدول في البحث عن بدائل جديدة للأسواق الأميركية."
المستثمرون يتوجهون نحو الملاذات الآمنة
وتوقعات بارتفاع قياسي للذهب
مع تصاعد المخاطر الاقتصادية، بدأ
المستثمرون في إعادة توجيه رؤوس أموالهم نحو الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب.
وتوقعت مؤسسة "غولدمان ساكس" ارتفاع سعر الذهب إلى 3300 دولار للأونصة،
وهو ما يعكس تزايد الطلب على الأصول التي توفر الحماية في أوقات الاضطراب.
وفيما يتعلق بالاستراتيجيات
الاستثمارية في هذه المرحلة، نصح باول المستثمرين بتنويع محافظهم الاستثمارية وعدم
الاقتصار على الأسهم والسندات التقليدية، مشيرًا إلى أهمية إضافة أصول أخرى مثل
المعادن الثمينة والعملات الرقمية التي أصبحت جزءًا من الاستثمارات العالمية
المتوازنة.
تأثير محدود نسبيًا للرسوم الجمركية
على الشرق الأوسط ومخاوف من هشاشة الوضع الجيوسياسي
أوضح باول أن دول الشرق الأوسط قد لا
تتأثر بنفس القدر الذي تتأثر به مناطق أخرى من العالم فيما يتعلق بالتعريفات
الجمركية الأمريكية، مشيرًا إلى أن نسبة الـ 10% من هذه التعريفات المطبقة عليها
قد تمثل معاملة تفضيلية. وأضاف أن العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول
الشرق الأوسط ليست بنفس درجة الاعتماد المتبادل كما هو الحال في مناطق أخرى، وأن
الولايات المتحدة قد لا تكون الحليف الاقتصادي أو التجاري الأكبر لدول المنطقة،
وبالتالي فإن تأثير هذه التعريفات قد لا يكون كبيرًا كما هو متوقع.
إلا أن باول أعرب عن قلقه بشأن الوضع
الجيوسياسي الراهن الذي وصفه بـ "الهش"، مؤكدًا أنه أكثر ضعفًا مما كان
عليه قبل جائحة كورونا، وأن هذا الضعف قد يدفع المستثمرين للبحث عن أسواق أكثر
استقرارًا وأمانًا من الناحيتين الجغرافية والاقتصادية، مما قد يؤدي إلى تنوع في
وجهات الاستثمار العالمية.
ضغوط متزايدة على الشركات العالمية
واحتمالية إعادة رسم خرائط سلاسل التوريد
لم تقتصر تداعيات هذه الحرب التجارية
على الأسواق المالية فحسب، بل امتدت لتشمل الشركات العالمية التي باتت تعيد تقييم
استراتيجياتها بسبب السياسات الحمائية الجديدة. وتسعى إدارة ترامب إلى دفع الشركات
الأجنبية لنقل أعمالها إلى الولايات المتحدة عبر التهديد بفرض تعريفات جمركية
صارمة.
وفي هذا السياق، أوضح باول أن الضغوط
الأمريكية على الشركات قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في سلاسل التوريد العالمية، حيث
قد تلجأ بعض الشركات إلى نقل عملياتها إلى أسواق بديلة مثل الصين أو تايلاند،
بينما ستجد أخرى نفسها مضطرة للاستجابة لمطالب الإدارة الأمريكية، مؤكدًا أن
العالم يشهد مرحلة من التغيرات العميقة التي ستعيد رسم الخريطة الاقتصادية
العالمية.
مستقبل غامض وترقب لردود الفعل
العالمية على سياسات ترامب الحمائية
في ظل هذه التطورات المتسارعة، تبقى
الأسواق في حالة ترقب وانتظار لردود الفعل العالمية على قرارات ترامب، وسط مخاوف
متزايدة من اندلاع حرب تجارية شاملة قد تكون لها تداعيات كارثية على الاقتصاد
العالمي. وبينما تسعى الدول المتضررة إلى اتخاذ تدابير انتقامية، يبقى السؤال
الأهم مطروحًا: هل سيكتشف ترامب لاحقًا أن سياساته الحمائية قد ألحقت الضرر
بالاقتصاد الأمريكي نفسه؟
الحقيقة الدولية - وكالات