انتهاء الاجتماع بين ممثلي الحكومة ووجهاء مدينة الرمثا والاتفاق على إنهاء جميع أشكال التصعيد تجدد اعمال الشغب في الرمثا القبض على مشتبه به بإطلاق النار تجاه حافلة البترا "الخارجية": إطلاق سراح مواطن أردني احتجزه مجهولون في سوريا فريق إصلاحي التطوعي يقيم كرنفال تكريم المتفوقين في الثانوية العامة في النصر والمنارة الجمارك: الرقابة والمنع مقتصرة على السلاح والمخدرات والدخان ملحس: التهريب مربح جداً جداً جداً بيان حكومي: الحكومة ماضية بتطبيق إجراءات منع التهريب ومسؤوليتنا فرض هيبة الدولة وزارة المالية: 130 مليون دينار نقص الإيرادات بسبب التهريب البترا.. جمعية أدلاء السياح تعلق دوامها سلطة العقبة: إغراق الطائرة ليس بطراً وسعرها لا يعادل ثمن سيارة زين الأردن وصندوق الأمم المتحدة للسكان يتعاونان لتطوير خطة التنمية المُستدامة لعام 2030 انطلاق فعاليات مهرجان ليالي الصيف في الجيزة.. تقرير تلفزيوني " العمل الإسلامي": ما جرى في الرمثا هو نتيجة للسياسات الحكومية الفاشلة التنمية تباشر بإنشاء وشراء وصيانة 200 مسكن للأسر الفقيرة

القسم : بوابة الحقيقة
في التصحر الثقافي
نشر بتاريخ : 8/5/2019 1:38:45 PM
أ.د. محمد الدعمي

بقلم: أ. د. محمد الدعمي

 

تدور المناقشات والمجادلات هنا وهناك، عبر وسائل الإعلام، حول تقارير الأمم المتحدة بشأن التنمية البشرية في البلدان العربية.

 

وتدور المناقشات دوراناً عجيباً لتستقر على نقاط ومحاور لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تقلب أو تغير الصورة القاتمة التي ترسمها التقارير الدولية، بل إن طبيعة الاستقبال العربي المثقف، وحتى نصف المثقف لهذه الخلاصات الأممية المشحونة بالدلالات والنذر المخيفة، بالنسبة لمستقبلنا ولمستقبل أجيالنا الصاعدة، تكرس الانطباعات والاختلالات التي تقدمها هذه التقارير على نحو رقمي دقيق لا مجال فيه للشكوك أو الظنون، حتى لو تركنا هامشاً تجميلياً للمبالغات ولـ”التدخلات” الأجنبية في صياغتها. لذا لن تكون دعوة الصحافي الأميركي توماس فريدمان لنشر هذه التقارير من أجل إطلاع العالم، العربي بخاصة، على حقائقها “المريرة” دعوة “مشبوهة”، كما يحلو للبعض تسميتها، ذلك أننا يجب أن نرى أنفسنا بالمرآة، بغض النظر عن إرهاصات فريدمان، أو دوافع جامعي البيانات ومحرري التقارير موضوع المناقشة.

 

وكما لوحظ فإن مثل هذه التقارير الصادرة عن أهم هيئة دولية معترف بها ومعتمدة دولياً من جميع الدول العربية، كسلطة عالمية مستقلة ومحايدة، فإن الذي يجعل خلاصاتها (حتى بافتراض وجود “التشويه” المتعمد وليّ الحقائق المشبوه) دقيقة بنسبة عالية جداً، ربما تتجاوز التسعين في المئة. وهذه فرصة لنا في العالم العربي لكي نراجع الذات ونحتكم إلى النقد الذاتي الذي قد يكون أشبه بجلد الذات أحياناً، آخذين بنظر الاعتبار إخفاق أغلب الحكومات والمنظمات الإقليمية العربية في تجهيز مثل هذا التقرير الدقيقة لصانع القرار السياسي في عليائه، ولجمهور القرّاء الصغير نسبياً في عالمنا الذي هجر القراءة والكتابة إلى اغتراب الفضائيات الرخيصة والأغاني والفنون المتدنية.

 

ربما لا تعرف كتل اجتماعية كبيرة من المواطنين في الدول العربية المتباعدة معنى “التنمية البشرية”، أو أنها تجهل أبعادها الستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية الحقيقية، لكن ينبغي، على أقل تقدير، ملاحظة أن مفهوم التنمية البشرية يصب في فكرة إحالة الإنسان “الخام” إلى مثقف أو فاعل، يمتلك من المهارات ما يمكنه من أن يكون عضواً نافعاً مفيداً في المجتمع، بدلاً من أن يبقى “عالة” عليه، الأمر الذي يعرّض هذا الإنسان لمزالق الإنحراف والجريمة واللاجدوى، وحتى إلى “البطالة المقنعة” المتفشية في الأقطار العربية التي يرنو فيها الجميع لأن يكونوا مديرين ورؤساء مؤسسات، اعتمادا على المستورد والوافد من أصحاب المهارات الصناعية والزراعية من الأجانب، الأمر الذي يؤول إلى هدر مبالغ مهولة من المدخولات الإقتصادية الوطنية، لذا تشكل العمالة الوافدة، خصوصا المستقدمة من دول أجنبية، دالة واضحة على إخفاق أغلب أنظمتنا التعليمية والثقافية والمهنية والجامعية التي تتكاثر كــ”الفطر” على نحو مدارس وكليات أنيقة عبر مدننا وحتى قرانا، لكن بلا جدوى، حيث تكون المخرجات في أغلب الحالات نوعاً من “الأمية المقنّعة” التي تقدم لنا خريجين لا يقرأون، ولا يكتبون.

 

هذا ما يفسر انحسار حركة التأليف والإبداع وضآلة عدد ونوعية المطبوع والمقروء والمكتوب بأيدٍ عربية. أما إذا ما أراد المرء أن يتساءل عن “تسويق” المنتج الثقافي العربي إلى القارئ العالمي، فإن هذا من الأحلام الوردية التي قد لا تتحقق قط، باستثناء ثلاث أو أربع حالات شهدت قبولاً دولياً لكتّاب عرب هم من بقايا الأنظمة التربوية المحافظة القديمة التي يحلو للبعض الإشارة إليها بوصف “الـرجوعية”.

 

مشكلة أنظمتنا التعليمية والتربوية والمعرفية تتبلور في أنه رغم أن الحكومات العربية لا تدخر جهداً ولا تمنع الأموال عن بناء المدارس وتأسيس الجامعات، مهتمة بـ”الكم” بدلاً عن “النوع”، حيث يغرم القياديون التربويون والجامعيون بعملية تقديم أرقام أعداد صماء لخريجين من هذه المدارس والجامعات إلى ولاة الأمر الذين يطلعون عليها ويسعدون بها، نظراً لتزايد هذه الأعداد ومضاعفتها، لكن أن يسأل المرء عن مستوى هؤلاء الخريجين وهل يمكن أن يقارنوا حرفياً بأقرانهم من خريجي المدارس والجامعات في اليابان أو ألمانيا، فهذه قضية أخرى تثير القلق وكوامن الحذر. هنا يكمن مأزق المؤسسات الأكاديمية العربية التي تُخرّج أطباء لا يعرفون سوى الأسبرين، ومهندسين بلا مهارات عملية، وخريجي لغات أجنبية لا يقرأون سوى العربية، كما يحدث في العديد من الجامعات والمدارس العربية!

 

لهذا كانت النتائج مأسوية بحق: فقد تحولت العديد من مجتمعاتنا المزركشة بالشهادات والدرجات العلمية الأولية والعليا إلى استهلاكية بدلاً من أن تكون إنتاجية تواكب العصر، وفق معايير أعداد الكليات والمدارس التي تفتحها الحكومات، وبدلاً من أن ينتج حملة الشهادات الأولية والعليا الكتب التي تخاطب الجمهور وتصنع الثقافة، لم نزل نعاني من “عقدة الخواجة” في جميع حقول الثقافة، بعد أن كانت الثقافة العربية الإسلامية هي منبع الثقافات العالمية في القرون الوسطى، في العصر العباسي المبكر، حتى في الموسيقى والغناء والفنون العادية التي تغزو عقول أبنائنا وبناتنا، يبقى الإنتاج نمطاً ضعيفاً من محاكاة الفنون الرخيصة التي تضخ في دول العالم الأخرى. لقد أقفلت السبل أمامنا، وأغلقت الأقدار أبواب الإبداع والابتكار بدرجة تثير المخاوف والقلق: المخاوف من تواصل الاندفاع إلى الاستهلاك، والقلق من مستقبل خال من الإيحاء ومن المبادرة الحضارية والثقافية.

 

والسؤال هو: لماذا يميل بعض المعلقين العرب لأن ينحي باللائمة على الغرب وإسرائيل لتبرير تردي مخرجات معطيات التنمية البشرية؟

 

إن تقارير الأمم المتحدة تقدم لنا مرآة لرؤية الذات ومراجعة كل ما يشوب وجهنا من كلف وبثور يعكس ما نعاني منه في دواخلنا من أمراض اجتماعية وتردِ ثقافي.

 

*كاتب وباحث أكاديمي عراقي

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018