القسم : بوابة الحقيقة
مؤشر مدركات الفساد وانتكاسة الأمل .. !!
نشر بتاريخ : 2/5/2019 3:51:44 PM
د. طلال طلب الشرفات

بقلم: د. طلال طلب الشرفات

 

قد يظن البعض أن التقدم لخطوة في موقع الأردن وفق مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية مؤشر إيجابي ولكنه في الواقع يُثير القلق والانزعاج من عدة زوايا.

 

أولها: أن العام الفائت وما قبله قد شهدا انتكاسات متعددة في التزام الأردن بالمعايير الدولية في التعاطي مع منظومة النزاهة، ومكافحة الفساد، والناجم عن عدم إدراك مخاطر تلك الإجراءات، وانعكاساتها لوضع الأردن على خريطة المجتمع الدولي.

 

وثانيها: أن الصمت الذي خيَّم على مجلس هيئة النزاهة، ومكافحة الفساد، والحكومة كان مفزعاً، ويمثل هروباً من المسؤولية الجزئية الملقاة على عاتق كل منهما.

 

منذ تقديم الحكومة للمشروع المعدل لقانون النزاهة، ومكافحة الفساد لمجلس النواب كان واضحاً سوء في تقدير الحكومة لأهمية التوسع في التعديلات على القانون، وانعكاسه على وضع الهيئة، وأهميتها وجدواها سواءًا أكان ذلك في إطار الجهود الوطنية لتعزيز النزاهة، ومكافحة الفساد، أو لمكانة الأردن في المجتمع الدولي، والتزامه بالمعايير الدولية التي أقرتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، أو تأثير تلك الصورة على الاقتصاد الوطني، والاستثمار، والتعاون الدولي.

 

ويضاف إليه إقرار هذا القانون من مجلس الأمة على عجل؛ الأمر الذي سيؤدي إلى إخراجه مشوهاً كما حدث مع القانون الأصلي الذي أُقر بسطحية عام (2016) بحيث جعل منه انتكاسة مفجعة لا تجسر الإرادة السياسية الواعية، والحريصة على اعتبار الأردن أنموذجاً للنزاهة، والشفافية، وسيادة القانون في المنطقة والعالم.

 

قانون النزاهة، ومكافحة الفساد قلَّص دور الهيئة في احترافية التحقيق، وأفرغ صلاحيات الهيئة من محتواها، وأخرج أهم الجرائم التي نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد من اختصاصات الهيئة وهي: جريمة غسل الأموال، ولم توحد مرجعية التحقيق في جرائم الفساد، والذي انعكس على أداء الهيئة في العامين الفائتين، ما جعل الهيئة مجرد نافذة حوارية في ثقافة النزاهة، ومكافحة الفساد.

 

المؤسسات الرقابية والتي أعدت هي الأخرى استراتيجياتها النظرية على عجل، وعملت بصورة تقليدية، وبيروقراطية، وباجتهادات فردية بعيداً عن السياسات الراشدة، والجسورة في التعاطي مع الأداء العام، والمال العام على حد سواء وارتبكت، أو تراخت في التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، والمنظمات الأهلية المتخصصة التي تشكل أحد المعايير؛ لتحديد مؤشر مدركات الفساد.

 

هيئة النزاهة، ومكافحة الفساد لا تتحمل وحدها مسؤولية الفشل الذريع في قيادة الجهود الوطنية؛ لتعزيز منظومة النزاهة، ومكافحة الفساد، بل تشترك معها الحكومة، ومجلس الأمة، والمؤسسات الرقابية الأخرى المشتتة، والمنفلتة من عقال الحوكمة، والشفافية، والضبط الإداري، والفني الرزين.

 

إن الاعتراف بفشل السياسات، والأداء في النزاهة، ومكافحة الفساد هو الأساس؛ لإعادة بناء مصداقية الجهد، وهذا يتطلب ما يلي :-

 

1. إعادة النظر مرة أخرى في قانون النزاهة، ومكافحة الفساد، ومراجعة نصوصة، وتفعيل دور الهيئة، وتعظيم صلاحياتها، وتعزيز استقلاليتها بشكل فعلي.

 

2. توحيد مرجعية التحقيق في قضايا الفساد في الهيئة، وبنصوص آمره، ورفدها بالكفاءات الفنية المحترفة.

 

3. معالجة كافة النصوص في التشريعات، والتي تشكل منافذ قانونية للفساد من خلال السرية، والصلاحية التقديرية، والصلاحية الواسعة.

 

4. الاستفادة من التجارب الدولية في مجال إشهار الذمة المالية، ومراقبتها.

 

5. إعادة النظر بتشريعات الجمارك، والمواصفات، والمقاييس، ومكافحة غسل الأموال، والغذاء، والدواء، والضريبة، ومنطقة العقبة الاقتصادية، وإشهار الذمة المالية، ونظام الأشغال الحكومية، وحق الحصول على المعلومة، والإعلام.

 

6. إعادة النظر في معايير اختيار كوادر وقيادات المؤسسات الرقابية مثل: ديوان المحاسبة، والغذاء والدواء، وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، والجمارك، ووحدة مكافحة غسل الأموال، وهيئة الأوراق المالية، ومراقب عام الشركات، والمواصفات والمقاييس وغيرها، ورفد تلك المؤسسات بكوادر تحقيق محترفة، وإعادة تأهيل الكوادر الموجودة باعتبار ان جراىًم الفساد جراىًم منظمة.

 

7. إعادة النظر في استراتيجية الهيئة، وطرح برامج ومشاريع واقعية يمكن تطبيقها وحوكمة عمل مجلس الهيئة.

 

إن ضرورة تطبيق مبدأ سيادة القانون الذي تصدت له الورقة النقاشية السادسة يُعبر عن حالة من استباق الرؤية الملكية؛ لقراءة مشهد الخلل المقلق في حوكمة التشريعات وإجراءات التطبيق للقواعد القانونية، والسياسات على حدٍ سواء، ويُذكي الحاجة الملحة لضرورة الانتقال من حالة المعالجات الخجولة إلى البناء الشامل لمنظومة النزاهة في كل مناحي الحياة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.

 

إن المصلحة الوطنية العليا، والأمن الوطني يتطلبان اتخاذ سياسات راشدة في مجال تعزيز النزاهة، ومكافحة الفساد، وترجمة الإرادة السياسية الواعية إلى نصوص، وتشريعات، وسياسات وإجراءات حازمة، وحاسمة، وواعية تتسم بالجدية، والشجاعة والحكمة؛ لتنقل الأمل الوطني لمستويات متقدمة.

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018