القسم : بوابة الحقيقة
المؤسسات والهيئات المستقلة: الصعود إلى الهاوية
نشر بتاريخ : 11/6/2019 5:56:01 PM
د. حفظي حافظ اشتيه

اعتاد الناس في هذا الوطن منذ عشرات السنوات على أن يكون للدولة عدد من الوزارات تكون كل وزارة منها المرجعية القانونية والتنفيذية لكل ما يتعلّق بالجوانب المنوطة بتلك الوزارة.

ويكون للوزارة مديريات في المحافظات تتمتع بالصلاحيات لتكون جسر التواصل بين المواطنين والوزارة تتفرّغ لدراسة قضاياهم ، وتسعفهم في حل إشكالاتهم ، وتلبية مطالبهم والوصول إلى حقوقهم ، وتجنبهم عناء التنقل وهدر الوقت وتكبّد المشاق والخسائر ، وتخفف الضغط على الوزارة، وتمنحها الوقت الكافي للإشراف العام ورسم السياسات والتقدم بالعمل والإنجاز إلى الأمام.

وكانت مراجعات المواطنين للوزارات تكاد تكون مقصورة على الأمور المهمة التي لا تقع ضمن صلاحيات المديريات ، أو لرفع مظلمة وقعت على مواطن بسبب التعسف في استخدام الصلاحيات ، أو لتحقيق مطلب عام تكون الموافقة عليه والبتّ في أمره بيد الوزير أو كبار المسؤولين في الوزارة .

ومضى الأمر على هذا الحال عقوداً عديدةً ، نهضت خلالها أركان الدولة واستوى بنيانها،  ونمت بنيتها التحتية والتعليمية والطبية والاستثمارية ، وغدت موطناً يثير الإعجاب والتساؤل :كيف تحقق كل هذا في ظل كلّ هذه الحروب والكوارث وقلّة الموارد ، وفي هذه المنطقة التي تمور بالتوتر والاضطراب ؟

ثم أتى على الناس زمان دَبَّ فيه الوهن في هذه الوزارات ، وضعفت القيادات ، أو جبنت،  أو غلّبت مصلحتها الشخصية على الوطنية ،وتوارت المديريات في الظل وتلاشى دورها أو كاد، واقتصر عملها على مهمة ساعي البريد بين المواطن والوزارة.

ورافق ذلك كلّه خلل خطير في اختيار القيادات ، تغيّرت فيه ملامح المسؤول القائد من القوي الأمين النزيه الموضوعي صاحب الخبرات والكفاءات إلى المتقن لفنون التسلّق والتزلّف والولائم واصطناع العلاقات .

وانضاف إلى ذلك سيل  جارف من الوظائف ظَفِر بمعظمها من لا يستحقها ، فضاقت بهم المكاتب، وكَثُرت مصالحهم الخاصة والمطالب، وازداد الزحام فأصبح التدافع إلى الوراء وليس إلى الامام .

هنا تفتقت عبقرية بعض المسؤولين عن حلول عَجولة ليست موجّهة إلى معالجة جوانب القصور في عمل الوزارات ، بل دفعتهم مآربهم المريبة بعيداً عن هذا الحل الواقعي ، فارتأوا أن تُترك الوزارات وما فيها من تخبّط وتقصير، وعمدوا إلى افتراع مؤسسات وهيئات تكون بديلة للوزارات: تتصارع معها وتمارس صلاحياتها، وتصبح مهاداً نقياً لائقاً لأبناء الذوات: يتسنمون فيها المناصب، ويتنعمون بالمكاسب، ويقتاتون على ما تبقى من قوت المواطنين.

وكانت المحصلة الطبيعية والنتيجة النهائية لهذا الحل أن الصفر الأول الذي تحقق من عمل الوزارات تعزز بصفر جديد تحقق من عمل المؤسسات والهيئات ، فأصبح الناتج صفرين اثنين .

وأما الأصفار الحقيقية فقد تقافزت على يمين أرقام المديونية بسبب هذا الهدر الانتحاري والصعود العابث نحو الهاوية .

بقيت الأسماء الفخمة الضخمة لهذه المؤسسات تصمّ آذاننا ، وتبخرت أموال الوطن وآمالنا .

ومن وحي هذا الواقع الفاجع نستذكر حكاية أندلسية قديمة أليمة دفع فيها شاعر حياته ثمن اعتراضه على ضخامة الأسماء وضآلة الجدوى.

قيل :من أسباب قتل الوزير ابن عمار وزير المعتمد بن عباد هذان البيتان:
مما  يقبّح  عندي ذكر أندلسٍ            أســـماء معتضد  فيها ومعتمدِ
أسماء مملكة في غير موضعها        كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018