القسم : بوابة الحقيقة
لقب "الشريف" بين الأصالة والبدعة
نشر بتاريخ : 8/5/2019 1:52:04 PM
د. حفظي اشتية

بقلم: د. حفظي اشتية

 

كثر الكلام في كتب التاريخ والسير والطبقات والأنساب عن لقب الشريف، وتباينت الآراء بشأنه وتباعدت .  والحديث في هذا الشأن ذو شجون، لكن يمكن إجماله بما يلي :

 

ترتد جذور المعنى اللغوي الحسي للشرف إلى المكان العالي، ثم تمتد إلى معنى تجريدي يتعلق بالارتفاع عن الدنايا والأخلاق الذميمة مع سمو النفس وعلو الهمة وطيب السجايا .

وقد عرف مصطلح الشريف في العصر الجاهلي، ووُصف به من يستحقه، وكان مقصورا على سراة الناس وسادتهم، وأصبح مجلس " دار الندوة " محصورا في أشراف قريش.

وورد المصطلح في الحديث النبوي الشريف ( إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ).

وبفي لفظ الشريف يعني السيد الماجد، وأكد ذلك المعنى قول جبلة بن الأيهم الملك الغساني في الحادة المشهورة: حين وفد في عهد سيدنا عمر بن الخطاب وأعلن إسلامه، وعند الطواف وطِئ أعرابي إزار جبلة، فلطمه، فاشتكى الأعرابي إلى عمر فأصر عمر على أن يقتص من جبلة فيرد له الأعرابي اللطمة، فهرب جبلة، وترك الإسلام وتنصّر، ثم ندم على ذلك فقال:

تنصرت الأشراف من عار لطمة                   وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

ولم يثبت أن اللقب كان محصورا في آل النبي الأطهار، ولم يعرف منهم من تلقب حصريا بالشريف في العهد الراشدي أو الأموي أو العباسي الأول، بل بقي لفظ الشريف يعني السادة الأكفياء من العرب جميعا والقبائل كافة .

لكن اللقب – مقرونا ببني هاشم – بزغ نجمه في العصر العباسي الثاني، وبدأت بواكير الإشارات إليه محدودة أولا، ثم أصبح متداولا مألوفا، ومقصورا على آل البيت النبوي .

ومن آوائل من عرف بذلك الأخَوان: الشريف الرضي(406هـ)، والشريف المرتضى(436هـ).

 

ثم شاع اللقب وذاع، وكثرت الخلافات بشأن من يستحقه وفق الأهواء الدينية والأنواء السياسية، فتردد بين العلويين والعباسيين والطالبيين، وتمحورت حوله بعض الدول في التاريخ الإسلامي كالفاطميين والأدارسة .

ثم جعله العثمانيون خاصا بمن يتولى إمارة مكة .

واستقر الحال أخيرا على أن من يمتد نسبه إلى الحسين بن علي فهو سيد، ومن يمتد نسبه إلى الحسن بن علي فهو شريف .

والأمر مشروط بصحة النسب وتوثيقه، وله مرجعياته التي تضبطه، ومؤسساته التي تحصنه من المتسلقين، وتضفي عليه الشرعية والمصداقية .

لكننا نلاحظ في أيامنا هذه أن كثيرا من الأدعياء يعطون لأنفسهم هذا اللقب، ويروجونه، ويستغلون المواقع الإخبارية، ووسائط التواصل الاجتماعي لإذاعته، وإشاعته، ويصبغونه بأصداء شرعية كاذبة زائفة، ويكتبونه في اللافتات المعروضة على الملأ خلال المناسبات الاجتماعية، فيعتاده الناس، ويصبح لديهم مألوفا معروفا فلا يستنكرونه، وليس لديهم الوقت الكافي أو الدافعية المقنعة لمراجعة الجهات المختصة للتأكد من صحته والتثبت من دقته .

وليس خافيا أن هدف هؤلاء الأدعياء المزيفين يتمثل في سد نقصهم، وخواء شخصياتهم والتسلق الطفيلي بهذا اللقب لينالوا حظوة اجتماعية كاذبة، والتوصل إلى المسؤولين لتحقيق المآرب الخاصة، والتوسل به للتستر على معايبهم وسوءاتهم .

ولو كان الأمر مقصورا على هذه الدعاية الساذجة لهانت شروره، لكن الخطورة تكمن في أن هذا اللقب يفقد شرفه وبريقه إذا سمح لهذه الفئة الرخيصة في استمرار تلويثه وتدنيسه، فالأمر جلل، والخطر جلي إذا كان يتعلق بالنبي وآل النبي .

إن كثيرا من هؤلاء المتطفلين يتسربلون بصفات ذميمة يمجها الطبع السوي، ويندى لها الجبين. فهم تحت عباءة هذا اللقب المزيف يتطاولون على الناس، ويأكلون حقوقهم، ويتصدرون مجالسهم، ويتحدثون باسمهم، ويعدون أنفسهم ممثلين لهم، ويخالفون الأنظمة والتعليمات لأنهم يرون أنفسهم فوق القانون، وتمتد أيديهم لسرقة الماء والكهرباء، والاعتداء على الجيران بل على الأقارب والإخْوان ..... فأي شرف بقي لهذا اللقب ؟؟؟

( يوجد لدى كاتب هذه المقالة أمثلة لهذه الفئة من الأدعياء، وأدلة دامغة يمكن عرضها لمن يهمه الأمر ) .

 إن المأمول من دائرة الأشراف في الديوان الملكي، ومن الحكام الإداريين أن يراقبوا هذا الأمر عن كثب لكف يد هذه الفئة المتسلقة، وصدها عن غوايتها، لا غض النظر عنها ومداراتها أو مجاملتها .

إن هذه الفئة آفة يجب أن تكافح بما يليق بها حتى لا يكون الناس أحد فريقين :

فريق يحاول تقليدها لأنه اغتر بما تحققه من مكاسب جوفاء، وفريق يكفر بالقيم الاجتماعية السائدة، وينزوي يائسا محبطا متبدد الانتماء .

ولست ساخرا حين اقترح أن تعالَج هذه الفئة نفسيا، وأن تعاد تربيتها، وتعليمها أبجديات الأخلاق، وإقناعها بأن اللقب وحده لا يمنح شرفا لصاحبه المزيف أو حتى لصاحبه الحقيقي، فالشرف سلوك ومنهج حياة : الشرف في حسن التعامل ، والصدق في القول ، والإخلاص في العمل ، بل في الحفاظ على العِرض الخاص على الأقل .

إن من حق مجتمعنا علينا أن نطهره من كل شائبة تمس إرثه الديني وعرفه الاجتماعي .

ونختم بهذه الحكاية الدالة على أن الشرف يتأصل بالخلق والسلوك، وليس باللقب المعلوك .

قال أحد العلماء : كنت يوما عند وزير بهاء الدولة، فدخل عليه الشريف الرضي فأعظمه وأجلّ مكانه ورفع من منزلته، وأقبل يحادثه إلى أن انصرف .

ثم دخل بعد ذلك الشريف المرتضى فلم يعظمه وتشاغل عنه، ثم لبى حاجته سريعا فانصرف . فسألت الوزير عن اختلاف معاملته بين الرجلين وهما أخَوان وكل منهما شريف، فقال الوزير: كنت قد بعثت إلى الشريف الرضي ألف دينار هدية مولود ولد له، فاعتذر شاكرا عن قبولها . أما الشريف المرتضى فكان قد فُرض عليه دينار واحد هو سهمه عن أرض له ستُشق إليها قناة ريّ، فما زال يراجعني ويلح عليّ حتى سامحته في الدينار، فأي الرجلين أولى بالتعظيم والتشريف ؟ فقال العالم : وفق الله سيدنا الوزير، والله ما وضع الأمر إلى في موضعه، ولا أحلّه إلا في محله .

فهل نجد في زماننا هذا من يتصرف هكذا ويدافع عن شرف هذا اللقب فيحصر هذه الفئة المدعية في قالبها اللائق بها ويمنعها من التمدد السائب، والاستشراء في الإفساد .

ألا يكفينا التسابق المَرَضي المحموم على ألقاب الشيخ والوجيه والكبير.... فنتجاوز الألقاب الدنيوية ونتطاول إلى ألقاب ذات صبغة دينية ؟؟ ولو أطلقنا العنان في هذه الشأن فلن يعدم معظمنا وسيلة في النسب، ليرتبط بآل البيت بأدنى سبب، فنتحول بذلك عموما إلى مجتمع ذي صلة بالنسب النبوي، ونصبح جميعا أشرافا !!!!

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018