لحظة فارقة حولت رغبة نيمار من الريال إلى برشلونة بؤر انهيارات عمان اربد على حالها.. وتحذيرات قبل وقوع الكارثة قوات سورية تسيطر على قواعد أميركية بشمال سوريا بسبب العدوان.. مطالبة بحرمان تركيا من استضافة نهائي الأبطال أول اشتباكات بين القوات التركية والسورية قرب منبج اليمن: عدن تزيل معالم الإمارات من المؤسسات الرسمية و6 أعضاء في حكومة هادي يصلون حضرموت "الخارجية": لا أردنيين على متن حافلة المعتمرين في المدينة المنورة جيش الاحتلال يطلق النار على شاب بزعم محاولة دهس قرب رام الله وفيات الاردن وفلسطين اليوم الخميس 17/10/2019 وزير الزراعة : لا يوجد صادرات زراعية من الأردن إلى سوريا ..فيديو إدارة السير تنفي تسبب دورية نجدة بحادث على طريق الـ 100 إسبانيا تلحق بركب المتأهلين لأمم أوروبا بعد تعادل قاتل مع السويد إخماد معظم حرائق لبنان بعد يومين كويكب يمر قرب كوكبنا بسرعة كبيرة الدفاع الروسية: نتخذ مع السلطات السورية إجراءات لتأمين انسحاب القوات الأمريكية

القسم : بوابة الحقيقة
بين البناء والهدم
نشر بتاريخ : 1/13/2019 4:58:43 PM
د. حفظي حافظ اشتيه

 بقلم: د. حفظي حافظ اشتيه

 

أثارت محاولة هدم صوامع العقبة الأشجان ؛لأنها كانت معلماً شاخصاً للمكان، على مدى عقودٍ خلت،ولأنها كانت إشارة صمود،وشعورٍ بالأمان.

 

وتَرُدنا إلى عهدٍ كان فيه العربي يخلص النصيحةَ لأخيه العربي،فقد بنيت تلك الصوامع بمشورةٍ وخبرةٍ ومهارةٍ سورية، وإرادةٍ أردنية.

 

 هذه مشاعر عاطفية بعيدة عن التقييمات الإيجابية او السلبية لهدم الصوامع.

 

لكن ،لأن الأسى يبعث الأسى ،طافت في البال خواطر أدبية وتاريخية لعلّ فيها العظة والاعتبار:

 

- لم يخلُ الشعر العربي من حكمة تصف العلاقة الجدلية بين البناء والهدم، فقيل في شأن الاصطراع بين من يبني ومن يهدم:

 

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه           إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمُ؟

وقيل في تأكيد صعوبة مهمة البناء ، وسهولة عملية الهدم :

ولو ألفُ بانٍ خلفهم هادمٌ كفى          فكيف ببانٍ خلفه ألفُ هادمِ؟

ومن وحي هذا البيت الأخير نستذكر موقفاً تاريخياً مهماً:

 

تقع (المدائن) عاصمة الفرس جنوبي بغداد ،وهي منطقة تعرف الآن باسم (سلمان باك) نسبة إلى الصحابي سلمان الفارسي المدفون هناك.

 

ويقع في المنطقة ذاتها إيوان المدائن(إيوان كسرى أو طاق كسرى ) هذا الإيوان هو الأثر الباقي من القصر الأبيض أحد قصور كسرى أنو شروان. بدأ بنائه كسرى الأول أنو شروان بعد الحملة العسكرية الفارسية على البيزنطيين سنة 570 م ،ورُسمت على أحد جدرانه لوحة عظيمة بالحجم الطبيعي تصف الملحمة الكبرى التي وقعت بين الروم والفرس في أنطاكية. والإيوان عظيم المشهد يرتفع حوالي 50 متراً ،ويُعد معجزة بنائية في ذلك الزمان.وقد استحوذ عليه المسلمون سنة 637م،ودخل إليه سعد بن أبي وقاص،كما يقول الطبري، فاتحاً متعظاً مردداً قوله تعالى :(كم تركوا من جنات وعيون،وزروع ومقام كريم ، ونعمة كانوا فيها فاكهين،كذلك وأورثناها قوماً آخرين).

 

عندما أراد الخليفة العباسي، أبو جعفر المنصور بناء مدينة بغداد (أم المدن ،ودرّة الشرق، ومهاد مجد العرب) احتاج عماله مواد بناء إضافية لاستكمال الإنشاءات ،فخطر للمنصور أن يهدم إيوان كسرى ويستعين بمواد بنائه.يذكر ابن خلدون أن المنصور بعث إلى خالد بن يحيى الفارسي ،وهو في مجلسه ،يستشيره في ذلك .فقال خالد: لا تفعل ، واتركه شاهداً على عظمة مُلك آبائك الذين سلبوا مُلك كسرى.فاتهمه المنصور في النصيحة ، وقال له :أخذتك النعرة للعجم.

 

وشرع في الهدم،وجمع الأيدي عليه بالفؤوس ،وحماه بالنار ،وصبّ عليه الخل ،حتى أدركه العجز ،وخاف الفضيحة،فبعث يستشير خالد ابن يحيى في التجافي عن الهدم ،فقال خالد: بل استمر، وأكمل الهدم حتى لا يقال:عجز ملك العرب عن هدم مصنع من مصانع العجم.لكن الهدم توقف والمَعلم العظيم بقي شامخاً.

 

- ثم يكون بهذا الإيوان موقف أدبي تاريخي آخر بطله الشاعر العباسي الشهير(البحتري).كان مقرّباً إلى الخليفة العباسي (المتوكل) ،وشهد مقتله الفاجع بسبب الصراع بين أبنائه على ولاية العهد ،فخرج البحتري من بغداد مكسور الخاطر كسيف الفؤاد،وتوجه إلى المدائن ليروّح عن نفسه الملتاعة ،فوقف أمام الإيوان، وبهرته اللوحة العظيمة ،فألهمته قصيدةً من غُررِ الشعر العربي هي السينية المشهورة ،ومطلعها :

 

صنت نفسي عمّا يدنس نفسي               وترفعتُ عن جدا كلّ جبس

ويصف ُ اللوحة بريشة الشاعر ،فيقول:

فإذا ما رأيتَ صورةَ أنطا                   كية  ارتــــعتَ  بين  رومٍ  وفرس

والمنايا مواثلٌ وأنو شرو                   وانَ يُزجي الصفوف تحت الدرفس

وعراكُ الرجال بين يديه                   فــي خفوتٍ منهم وإغماضِ جرْسِ

تصف العينُ أنهم جدّ أحيا                  ء  لهم  بينهم  إشــــــــارةُ  خرسِ

يغتلي فيهم ارتيابي حتى                   تـتقراهم   يـــــــــــداي    بلمـــسِ.

-وبعد أكثر من ألف عام  يأخذنا التاريخ إلى محطة تاريخيةٍ أدبيةٍ عظيمة أخرى:

 

نفى المُستعمر الانجليزي الشاعرَ أحمد شوقي من مصر إلى الأندلس، فتمزقت نفسه للبعد عن وطنه ،فهام يسليها بالتجوال في قصور الأمويين (بنو عبد شمس) في الأندلس،وفيها الشواهد الماثلة على حضارة العرب التي سادت ثم بادت .

 

ولعله سفحَ دمعةً حرّى،وهو يستذكر موقف (أبو عبدالله الصغير)آخر ملوك غرناطة ،الذي أُرغم على الخروج من الأندلس،وطيّ ملف حضارة عربية أموية دامت ثمانية قرون ،فوقف على ربوةٍ ،والتفت إلى الوراء ،وأُجهِشَ بالبكاء، فجآءته كلمات أمه سهاماً مسمومة:

 

ابكِ مثل النساء مُلكاً مُضاعاً             لم تحافظ عليه مثل الرجالِ.

 

تفجرت الأشجان في جوانح أحمد شوقي ،فسالت من قلبه الجريح سينيته الشهيرة التي يعارض فيها سينية البحتري،ومنها :

 

 

اختلاف النهار والليلِ ينسي                اذكرا لي الصبا وأيام أنسي

وسلا مصرَ هل سلا القلبُ عنها        أو أسى جرحها الزمان المؤسي

كلـــــما  مرّت  الليالي  عليه             رقَّ ، والعهد بالليالي تُقسّي

وطني لو شُغلت بالخلد عنه              نازعتني إليه في الخلدِ نفسي

أحرامٌ على بلابله الدو                  حُ حلالٌ للطيرِ من كلّ جنس؟

وعظَ البُحتريَ ايوانُ كسرى              وشفتني القصور من عبد شمسِ

لم يرُعني سوى ثرى قرطبيٍّ            لمست فيه عبرةَ الدهرِ خمسي

وإذا فاتــــك التفاتٌ إلى الما                ضي فقد غاب عنك وجه التأسي

 

انه التاريخ، المعلّم الأكبر ، فهل من متعظ ، أو معتبر ؟

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018