القسم : بوابة الحقيقة
الانسحاب الأميركي: "الهبّة الخلفية"
نشر بتاريخ : 12/30/2018 6:42:37 PM
أ.د. محمد الدعمي

لخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم السبت 22 ديسمبر الماضي دوافع وإرهاصات قراره المفاجئ بسحب القوات الأميركية من سوريا على الفور، بأن أميركا لم تعد ترغب في حماية حدود الدول الأخرى، في الوقت الذي تخفق هي بحماية حدودها، في إشارة إلى الصراع المحتدم الآن والدائر بينه وبين الديمقراطيين من أعضاء الكونجرس حول مشروعه لبناء جدار عازل على طول الحدود مع المكسيك.

وعلى الرغم مما تسبب به القرار أعلاه من “هبة خلفية” عنيفة داخل الولايات المتحدة، كان قوامها عدة استقالات واحتجاجات وانتقادات من قبل ساسة كبار هناك، إلا أن للمرء أن يلاحظ بأن هناك من يؤيد الرئيس بقوة من بين أهم هؤلاء الساسة، ومنهم السيناتور “راند بول” Rand Paul، الذي شرح أسباب تأييده قرار سحب القوات الأميركية من سوريا، بل وحتى من أفغانستان قائلا بأنه ليس من مسؤولية الولايات المتحدة التدخل بين فرقاء محليين في الشرق الأوسط، ذلك أن هذا ليس هو هدف التدخل في كلا البلدين، وأنه قد آن الأوان كي يحسم اللاعبون المحليون مشاكلهم فيما بينهم، متندرا بالقول بأن الخلافات الطائفية بين المسلمين عبر ذلك الإقليم الشاسع تعود إلى “يوم كربلاء”، وأن واشنطن لا يمكن أن تضطلع بدور حاسم لحل هذه الخلافات، خصوصا وأنها قد حققت هدفها الذي ذهبت إلى سوريا من أجله، وهو هزيمة المتبقي من فلول شبكة الدولة الإسلامية الإرهابية عبر شرق الفرات. والحق، فإنه يقول الصواب، أي: إلى متى تبقى الأرواح والأموال الأميركية تهدر في أقاصي الأرض وفي حروب لا مصلحة لأميركا لها على نحو مباشر؟ ثم أضاف بالحرف الواحد Rand Paul، محقا: علينا أن نوجه أموالنا وثرواتنا التي تجبى أغلبها من جيوب دافعي الضرائب الأميركان لأميركا ذاتها وإلى بنائها على النحو الذي دعا إليه الرئيس ترامب “أميركا أولا”، على أيام حملته الانتخابية التي قادته إلى البيت الأبيض.

وإذا كان الرئيس ترامب على حق في نفض يديه من صراعات أقاليم مثل أقاليمنا (وهي كما تبدو له وللسيناتور أعلاه، صراعات لا تنتهي، بل هي تتناسل ثم تتوالد)، فإن على واشنطن أن لا تقبل بأية أهداف إضافية لتدخلاتها العسكرية: “فقد طفح الكيل”، كما يقال.

أما معارضو الانسحاب، فيتهمهم مؤيدوه بأنهم غير حريصين على مستقبل أميركا لأن حروب العالم الثالث لا تنتهي، وأن الفوز بقرية في أفغانستان أو بقرية في سوريا لا يمكن أن تحل مشاكل دول غير مستقرة مثل دول إقليمنا الهائج، علما أنه ليس من واجب الولايات المتحدة هدر أموالها لتدريب قوات حفظ النظام في مثل هذه الدول أو لحماية حدودها وإدارة شؤونها على نحو رشيد، بغض النظر عن الدوافع البعيدة النظر، خصوصا وأن الانسحاب الفوري الجاري لا يقوض نجاحات وانتصارات واشنطن في المنطقتين الساخنتين أعلاه. “قصة للناقدين!”

إذا كان قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب العسكري من سوريا قد لقي اشكال الاستجابات المتمايزة (مع وضد) داخل الولايات المتحدة ذاتها، فإن مسببات ودوافع تنوع هذه الاستجابات تستحق الرصد والتحليل على سبيل استشراف آراء الجانبين.

من ناحية أولى، يرى العسكريون أن هذا الانسحاب الذي توقت قبل “إكمال المهمة” تماما كما يدعون، إنما يقوض الجهود والتضحيات العسكرية السابقة، زيادة على منح شبكات الإرهاب في سوريا فرصة لالتقاط أنفاسها، ومن ثم للاندفاع نحو الجمهور لكسب المزيد من المتعاطفين معها والملتحقين في صفوفها. ومن ناحية ثانية، يرى مؤيدو الانسحاب بأنه رسالة ضمنية إلى الرئيس السوري بشار الأسد، الذي تحقق قواته انتصارات متلاحقة هناك منذ زمن لا بأس به، نقول هي رسالة تفضي إلى إطلاق يديه في مهمة القضاء على ما تبقى من هذه الشبكات الإرهابية. زد على ذلك، أن المؤيدين يقولون بأن العمل العسكري والدبلوماسي الأميركي على الضغط على إيران لمبارحة سوريا، لم ولن يكون هدفا أميركيا عندما أرسلت القوات الأميركية إلى هناك، ذاهبين إلى أن هذه ليست سوى مهمة إضافية طارئة للقوات الأميركية، فهي مهمة ينبغي أن تقع على عاتق دول المنطقة، لأنها دواعٍ حقيقية، دواعٍ تخص الأمن الأميركي.

ومن منظور ثالث، يرى معارضو الانسحاب بأنه إنما ينطوي على تملص الولايات المتحدة من دورها الأول الذي اعتلته في حقبة القطب الواحد، خصوصا وأن الانسحاب الأميركي إنما يطلق للقوات الروسية حرية البقاء كقوة عسكرية أجنبية وحيدة في سوريا بلا منازع، وهذا يعني الاعتراف لروسيا بدور كوني أكبر.

أما المنظور الرابع، فهو أن هؤلاء النقاد يدعون بأن الانسحاب الأميركي إنما يطلق أيادي القوات التركية كذلك، ليس لدخول سوريا من أجل ملء “خواء القوة” الناتج عن الانسحاب، الأمر الذي يعني التخلي عن الوحدات العسكرية الكردية المنتشرة بين تركيا وسوريا لتغدو الطريق معبدة للقوات السورية، من ناحية، وللقوات التركية، من الناحية الثانية لتنقضّ على الوحدات الكردية، واضعة حلفاء أميركا الكرد بين المطرقة والسندان في تهديد وجودي لأحلام الكرد بالاستقلال أو بالحصول على حكم ذاتي! وبطبيعة الحال، فإن تخلي أميركا عن حلفائها إنما هو ممكن فقط عندما يكون شعارها الحاسم هو “أميركا أولا”.

وبغض النظر عما تم استعراضه في أعلاه من تفاعلات أميركية صرف، للمرء أن يلاحظ الأعباء المستحقة (بسبب قرار الرئيس ترامب) على النظام داخل العراق، نظرا لما يعانيه من إشكالات لا يمكن أن تؤهل هذا النظام لدخول مواجهة إضافية ضد الشبكات الإرهابية التي تنتشر كالفطر غرب العراق كلما تعرضت لضربة قاصمة هنا أو هناك، فهي شبكات زئبقية قادرة على الإفلات ثم التناسل والتوسع على كافة الاتجاهات.

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018