القسم : بوابة الحقيقة
انتصار الحلفاء في مقهى حمدان
نشر بتاريخ : 5/10/2017 8:22:59 PM
د. عودة أبو درويش
 
بقلم: د. عودة أبو درويش
 
لم يكن مقهى حمدان في عمّان ،عاصمة الامارة في شرق الأردن ، مجرّد مكان يذهب اليه من يريد تناول كأس من الشاي أو القهوة ، ولا هو ساحة من أجل اللعب في الورق أو النرد أو لإضاعة بعض الوقت عند من تقاعدوا من الوظيفة ولا يجدوا ما يفعلون ، مثل المقاهي التي تنتشر الآن في كلّ مدن الأردن . انّما كانت المقهى مكان جامع للسياسيين والمثقّفين والشعراء والكتّاب وأصحاب الفكر والرأي . يتحاورون في شؤون البلاد العامّة ويتناقشون من أجل هدف واحد هو مصلحة البلاد التي تنشد الحصول على الاستقلال ، والخلاص من الوصاية الأجنبيّة البريطانيّة والاهتمام بالعمل على تطوير كلّ مناحي الحياة في البلد الفتي .

عقد في مقهى حمدان أوّل مؤتمر وطني أردني ، تنادى له شخصيّات وطنيّة ، سياسيين  وشيوخ عشائر ومثقفين و رجال دين من كلّ مدن الامارة ، بعد أن صاغ  حسن خالد أبو الهدى في حكومته الثانية منتصف عام 1928 ما عرف بـ (  قانون انتخاب أعضاء المجلس التشريعي ) ،  الذي قسّم  الإمارة إلى أربع دوائر انتخابية لها عدد من النوّاب: البلقاء، عجلون، الكرك، ومعان. وأصدر دستور البلاد ( القانون الأساسي لشرق الأردن ) ، والذي استمدت معظم مواده من المعاهدة الأردنية- البريطانية ، واعتبرها الأردنيون مقيدة للحريات العامة والديمقراطية .  وأعلنت المعارضة الشعبية رفضها لقانون الانتخاب الجديد وللقانون الأساسي وأصدرت الميثاق الوطني   .

في المقهى ، ومنذ أن بدأت الحرب العالميّة الثانية تشكّل فريقين ، أحدهما يؤيّد  دول المحور والثاني يؤيد الحلفاء . كلّ فريق كان يحاول أن يصوغ مبررات وقوفه الى جانب من يؤيّده . فانتصار دول المحور برأي مؤيديهم سيؤدّي الى خروج البريطانيين من نادي الدول الكبار ، وستنال الدول التي تستعمرها بريطانيا الاستقلال بسرعة ، ولكنّ مؤيدي الحلفاء يتمنون النصر لها ، لأنّها ستكون عونا للدول التي تحكمها وحليفا قويّا . وكانت الأخبار تأتي تباعا ، فتقدّم ألمانيا واليابان على كلّ الجبهات جعل المحور في المقهى يعلن الأفراح والليالي الملاح ، ويستهزأ بالبريطانيين الذين اختبأوا في الملاجئ لأكثر من سنة ونصف خوفا من الغارات الألمانيّة . ولكن انتصار القوّات السوفيتيّة في معركة ليننغراد وغيرها ، جعل حلفاء المقهى يزغردون وكأنّهم هم المنتصرون ، ويتندّرون على المحور ويذكّرونهم بما قاله هتلر عن العرب بالرغم من علاقته مع رشيد عالي الكيلاني في العراق الذي رفض اغلاق السفارة الألمانيّة في بغداد وأمين الحسيني في فلسطين  ، الذي  وعده هتلر بالوقوف الى جانب العرب .

انتحر هتلر ودخلت القوّات السوفيتيّة برلين . هذا ما صاح به أحد الحلفاء بعد أن انتهى مذيع هنا لندن من قراءة خبر عاجل . عمّ صمت رهيب على المحوريين وحزن عميق لأنّهم لن يرو بلادهم متحررة من الاستعمار البريطاني ، وسينسى قادة الانجليز وعودهم بمنح الأردن الاستقلال ، وسينفذون وعدهم لليهود بإقامة دولتهم في فلسطين . تنبّه حلفاء المقهى لأنّهم كانوا قساة على المحوريين . توّجهوا الى طاولتهم واحتضنوهم ، فهم جميعا في الهمّ شرق .

ليس لمقهى حمدان الآن أثر ،  ولم نعد نعقد مؤتمرات وطنيّة ، بل كثرت المقاهي التي فيها يجتمع مؤيدي الفرق الرياضيّة الأوروبيّة  . فيتصايحون ويشتمون بعضهم بعضا لأنّ ريال مدريد تغلّب على برشلونة ، أو غيرها من الفرق الرياضيّة .   

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018