القسم : بوابة الحقيقة
قوائم متراكمة: "عليك دفعها!"
نشر بتاريخ : 2/9/2019 2:31:33 PM
د. محمد الدعمي

بقلم: د. محمد الدعمي

للحذق من المراقبين أن يلاحظ بأن الكولونياليات “المتقاعدة” تدفع اليوم “فواتير” هيمنتها واستغلالها للبلدان والأقاليم الشاسعة عبر إفريقيا وآسيا بعد أفول عصر “الكولونياليات الذهبي” على أواسط القرن الماضي!

للمرء أن يلاحظ هذه الظاهرة العالمية عندما يباشر ما عدته عواصم الامبراطوريات الأوروبية الآفلة واجبات اعتبارية وأخلاقية تجاه شعوب وأفراد البقاع التي بقيت تحت هيمنتها لعقود وأكثر، خصوصا تلبية لطموح مديري الامبراطوريات السابقة بالإبقاء على سطوتهم ونفوذ دولهم على “المستعمرات” السابقة. وقد حاول هؤلاء تحقيق هذا الحلم بمواشجة مصائر تلك الدول والأقوام المستضعفة، ليس فقط باقتصادات المركز الامبراطوري، ولكن كذلك بثقافاتها وبجامعاتها ومدارسها.

وقد تبلورت هذه الحال الآن، أعباءً اقتصادية ثقيلة عليها، خصوصا بعد تفشي سوء الإدارة والفساد في الدول التي كانت مستعمرة سابقا: فقد عدت بريطانيا حماية المعارضات التي وقفت بوجه حكوماتها في دول النفوذ بآسيا وإفريقيا، جزءا من واجباتها، بدليل أن كافة المعارضين لحكومات بلدانهم عبر آسيا وإفريقيا يستجيرون بــدول “الاستعمار” السابق من أجل حمايتهم والدفاع عن حقوقهم من عواصم تلك الامبراطوريات، إذ يتوجب على لندن أو باريس أن تستقبل وتعتني بأفراد وعوائل هذه الجماعات المعارضة أو المحتجة على حكوماتها لأمد زمني غير محدد، قد يطول عقودا وأجيالا.

هذا هو ما حدث ويحدث الآن بقدر تعلق الأمر بالفارين إلى بريطانيا من المعارضين في العديد من دول الشرق الأوسط، إذ إنهم يلقون هناك كل ما يحتاجون إليه من غذاء مجاني وسكن مجاني ورعاية صحية وتربوية مجانية، وجيلا بعد آخر، كي تبقي الكولونياليات على “نخب” خاصة بها تمثلها أو تضطلع بأدوارها في الدول التي كانت ضحية للنفوذ أو للضم البريطاني فيما مضى. وتنطبق ذات الحال على فرنسا، خصوصا وأن الأخيرة راحت تعاني من الاضطرابات “البلوريتارية” مؤخرا، علما أن نسبة كبيرة من مسببي الشغب والعنف هناك كانوا من أفراد أو أبناء الجاليات المهاجرة إلى فرنسا، من دول الجنوب الفقيرة.

أما حرص المراكز الامبراطورية السابقة للحفاظ على وشائج ثقافية وتربوية ولغوية مع البقاع المحتلة سابقا، فقد كان مكلفا كثيرا هو الآخر، نظرا لأنه يتطلب إنفاق أموال طائلة وخبرات متواصلة عبر البحار السبعة، من أجل الحفاظ على موطئ قدم في البلدان الضحية سابقا، وذلك عبر المراكز الثقافية وربط المؤسسات الأكاديمية والتربوية في تلك الدول بالمركز الامبراطوري السابق، مثل لندن وباريس، بل وحتى روما بالنسبة لإفريقيا.

هي فواتير باهظة ومنهكة، ليس فقط للعواصم الكولونيالية بالمركز، وإنما كذلك لمواطنيها من دافعي الضرائب في بريطانيا وفرنسا: بمعنى أن كل مواطن بريطاني أو فرنسي، أصلا، يجد نفسه مضطرا لدفع تكاليف الرعاية الصحية والاجتماعية لأفراد منحدرين من الدول الضحية السابقة!

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2018